الشيخ السبحاني

15

إرشاد العقول إلى مباحث الأصول

الاستصحاب ، بخلاف قاعدة اليقين فيتحدان ذاتاً وزماناً . مثلًا إذا كان متيقّناً بعدالة زيد يوم الجمعة وشكّ في بقائها يوم السبت ، فهذا ينطبق على الاستصحاب ؛ وأمّا إذا شكّ في نفس عدالته يوم الجمعة على وجه سرى الشك إلى اليقين فتنطبق عليه قاعدة اليقين . الأمر الثاني : لمّا كان الحدوث في الاستصحاب أمراً متيقّناً ، والبقاء مشكوكاً ، يكون الشكّ واليقين فعليّين لعدم التزاحم بينهما ، وهذا بخلاف قاعدة اليقين حيث إنّ المتعلّقين كانا متّحدين ذاتاً وزماناً يزول اليقين بعد عروض الشك . ويقع الكلام في صحّة الأعمال التي أُتي بها في ظرف اليقين بعد طروء الشك . وإلى هذا يرجع كلامهم : الشكّ في الاستصحاب شكّ في البقاء بعد الفراغ من ثبوته حدوثاً ، وفي قاعدة اليقين شكّ في الحدوث دون نظر إلى البقاء على فرض الحدوث . وبذلك يعلم أنّ اليقين والشكّ من الحالات النفسية التي لا تجتمع في النفس أبداً ولكن المسوِّغ اجتماعهما في المقام هو اختلاف متعلّقي اليقين والشكّ من حيث الزمان في الاستصحاب ، واختلاف ظرفي اليقين والشكّ في قاعدة اليقين ، فالذي يزيل المشكلة هو وجود المغايرة إمّا في المتعلّق أو في ظرف حدوث اليقين والشكّ . ويترتب على ذلك أنّ اللازم في الاستصحاب تقدم متعلّق اليقين على متعلّق الشك ، وأمّا اليقين والشكّ فيمكن أن يحصلا معاً ، أو لا يحصلا إلّا بالترتب سواء قُدِّم اليقين أو قُدّم الشك ، فالمعيار التغاير بين المتيقّن والمشكوك من حيث الزمان ، وتقدّم الأوّل على الثاني ، وأمّا قاعدة اليقين فبما أنّ حلّ المشكلة كان رهن اختلاف اليقين والشكّ زماناً فلا مناص من تقدّم زمان اليقين على زمان الشكّ وحصولها مترتبين .