الشيخ محمد مهدي الكجوري الشيرازي
320
الاجتهاد والتقليد
المريض بالرجوع إلى الطبيب ، ورجع إلى غير الأعلم ، ثمّ عاقبه على إنّك لم تركت الرجوع الأعلم ؟ لم يذمّه العقلاء بل يستحسنونه . وسابعا : سيرة المسلمين ، فإنّهم كانوا في عصر الأئمّة عليهم السّلام يستفتون من غير الأعلم ، مع وجود الأعلم ، ولم يمنعهم أحد من الأئمّة عليهم السّلام من ذلك ، وإلّا لوصل إلينا ، لكونه من الأمور العامّة البلوى ، واستمرّت هذا السيرة إلى زماننا هذا . أقول : سيرة المسلمين في زماننا الذي نشاهده على الاستفتاء من الأعلم ، وأمّا في عصر الأئمّة عليهم السّلام ، فكون رجوع العوام إلى زرارة أو محمّد ابن مسلم ونحوهما ، تقليدا ؛ غير خال عن الكلام . اللهمّ إلّا أن يقال : إنّ الأحكام التي سمعوها من المعصوم ، وإن لم يكن رجوع العوام إليهم فيها تقليدا اصطلاحيّا ، لكن الأحكام المستحدثة التي كانوا يستنبطونها من الأخبار والآيات ، فلا ريب أنّ رجوع العامي إليهم فيها كان تقليدا اصطلاحيّا ؛ وبعد ما كانت سيرتهم على ذلك ، ولم يمنعهم الأئمّة عليهم السّلام ، فذلك كاشف عن الرضا بالاستفتاء من غير الأعلم مع وجود الأعلم ، وهو المطلوب . وثامنا : إطلاق الآيات ، فإن الأمر بالسؤال عن أهل الذكر ، على فرض تسليم أنّ المراد منهم العلماء ، مطلق بالنسبة إلى الأعلم وغيره ، وكذا إطلاق آيتي « النفر » و « النبأ » إن قلنا بتماميّتها . وتاسعا : إطلاق الأخبار ، وقد دوّنها السيّد أعلى اللّه مقامه في كتابه المفاتيح ، منها رواية خديجة ومقبولة عمر بن حنظلة ؛ والقول بأنّ إطلاقها وارد مورد حكم آخر ، فاسد ؛ لظهور التعارض بين قولنا « ارجعوا إلى من علم شيئا من الأحكام » وقولنا « لا ترجع إلى العالم الغير الأعلم » فإنّا قد ذكرنا سابقا أنّ المعيار في كون الإطلاق واردا مورد حكم آخر ، عدم التعارض بين الإطلاق وإخراج ذلك المورد : فتذكّر ، وإلّا فلم يمكن التمسّك بالإطلاق في مورد أبدا ، وبذلك يختلّ نظام الأحكام بأنّ بناء جلّ الأحكام عليه .