الشيخ محمد مهدي الكجوري الشيرازي
317
الاجتهاد والتقليد
أقول : وهذا الكلام كما ترى . أمّا أوّلا ، فلأنّه سلّمه اللّه أجرى أصل البراءة في أكثر المسائل المتقدّمة في هذا البحث ، مع أنّ الكلام في الكلّ إنّما كان في الحجّيّة وعدمها . وأمّا ثانيا ، فلأنّه لا معنى للحجّيّة إلّا وجوب العمل ، وهو من الأحكام الفرعيّة ، فلا معنى لعدّها من الأحكام الوضعيّة . سلّمنا ، لكن لا يجري أصل البراءة في الأحكام الوضعيّة ؛ كذلك لا يجري أصل الاشتغال فيها أيضا ، لأنّ اقتضاء الاشتغال اليقيني الامتثال اليقيني ، إنّما يتصوّر فيما كان من التكليفيّات ، لأنّ الامتثال هو الإتيان بالشيء على مقتضى الأمر مثلا ، وحيث لا تكليف فاشتغال الذمّة به غير متصوّرة ، حتّى يقتضي القطع بالامتثال . وكيف ما كان ، هذا كلام لا محصّل له . وثانيا البرهان العقلي ، بيانه : أنّه فيما لو كان ظنّ المقلّد في جانب المفضول ، فالإجماع الذي يدّعيه الخصم على وجوب تقليد الأعلم ، لا يشمل هذه الصورة ، لأنّ مدركه - على ما ذكره - أنّ الظنّ في جانب الأعلم ، فلا بدّ من تقليده ؛ ومن البيّن أنّ هذا الإجماع لا يشمل الصورة المفروضة ؛ فنقول فيها : لو خيّرناه بين تقليد الفاضل والمفضول ، يلزم التسوية بين الراجح والمرجوح ؛ ولو التزمناه بتقليد الأعلم ، يلزم ترجيح المرجوح على الراجح ؛ فإنّ العمل بما ظنّ أقربيّته للواقع ، ممّا يحكم القوّة العاقلة برجحانه على العمل ، بما ليس كذلك . وبعد ما ثبت في صورة وجوب تقليد المفضول ، نتعدّى إلى غيرها من الصور بالإجماع المركّب ، فإنّه لا فاضل من هذه الجهة ؛ غاية الأمر أن نثبت لزوم تقليد الأعلم ، فيما لو كان الظنّ في جانبه ، ونتعدّى بالإجماع المركّب ؛ لكن نقول : تعارض الإجماعان وتساقطا ، فنرجع إلى الأصل ، وهو التخيير . فإن قلت : الإجماع الثاني محكوم بالتقديم ، لكون ذهاب المعظم مرجّحا له ، فإنّ المشهور قد ذهبوا إلى وجوب تقليد الأعلم ، بل حكي عليه الإجماع ، كما يظهر من