الشيخ محمد مهدي الكجوري الشيرازي

280

الاجتهاد والتقليد

المجتهد حقيقة ، على ما حقّقنا في تعريف الاجتهاد ، وبعد تغيّر الموضوع عرفا بل حقيقة ، كيف يمكن الاستصحاب ؟ نعم ، نظير الحاضر المفروض هو العامي الذي يحوم حول حمى ملكة الاستنباط ، ولم يدخله بعد ؛ والحكم بلزوم التقليد على مثل هذا العامي ، لولا أمر خارجي صحيح ، لا غبار فيه للاستصحاب ، وأمّا فيما نحن فيه فلا . وكيف ما كان ، فالحكم بلزوم الاجتهاد على هذا المجتهد ممّا يكاد وأن يقال : لا شبهة فيه ؛ فإنّ التقليد مع تمكّن الاجتهاد على هذا النحو من التمكّن ، كأكل الميتة مع التمكّن من تحصيل الغذاء الحلال ؛ كما أنّ الاجتهاد والاستنباط الظنّي مع التمكّن من تحصيل العلم ، كأكل الميتة على هذه الحالة ؛ ولا أرى أنّ العاقل غير المتديّن يرضى بذلك ، فضلا عن المتديّن . ثمّ لا يخفى أنّ ما ذكرنا ليس مختصّا بمجتهد لم يجتهد أصلا ، بل حال كلّ مجتهد بالنسبة إلى الأحكام التي لم يجتهد فيها كذلك ، سواء اجتهد بعضا أو لم يجتهد في مسألة بعد . هذا حال المجتهد عند التمكّن ؛ وأمّا عند عدم التمكّن ، فلا مجال للقول بلزوم الاجتهاد عليه حينئذ ، لاستلزامه العسر والحرج الشديد ، بل التكليف بما لا يطاق . وإن سلّمنا تماميّة أدلّة التقليد ، فهو أيضا معاضدة لما ذكرنا في المقام ، لكن مراعاة طريقة الاحتياط ما أمكن أسلم ؛ وعند عدم التمكّن منه فلا محيص له عن التقليد ، لبقاء التكليف بالضرورة ، وعدم تمكّن الامتثال به حينئذ إلّا بالتقليد ؛ وهذا أيضا ليس مختصّا بمن لم يستنبط حكما بعد ، بل الحال كذلك مطلقا ، كما في من بنى على الاجتهاد واستنبط بعض مسائل الطهارة ودخل الوقت ، فإنّه ليس متمكّنا من استنباط جميع مسائلها في نصف يوم مثلا ، بل هذا ممّا يحصل له في زمان طويل . وأمّا سائر الأقوال في المسألة ، فممّا يعلم مستندها وجوابها للمتأمّل فيما حرّرنا ، بل لمّا كان القائل بها من أهل الخلاف غالبا ، فترك التعرّض لها تفصيلا والاشتغال بما هو أهمّ أولى .