الشيخ محمد مهدي الكجوري الشيرازي
277
الاجتهاد والتقليد
سلّمنا أنّ الاستصحاب ليس بعرضيّ ، لكن الموضوع ليس باقيا ؛ وقد مرّ نظير ما نحن فيه في مسألة رجوع المجتهد عمّا أفتى به أوّلا بتجديد النظر وعلم المقلّد به ، فلا نطيل الكلام بإعادة ما سطر سابقا ، فعلينا الحوالة وعليك التطبيق ؛ فتذكّر . فبعد اللتيا والتي ، آل الكلام إلى الإذعان بجريان استصحاب جواز التقليد ، والحكم ببطلان الوجوه الخمسة لهذا الاستصحاب ؛ لكن لمّا كان المشهور من الأصحاب ذهبوا إلى وجوب الاجتهاد على ذي الملكة عينا ، بحيث انتسبوا الخلاف إلى بعض أهل الخلاف ، وكانت الشهرة مفيدة للظنّ ، وكان الظنّ دليلا اجتهاديّا مع صيرورة الوجوه الخمسة معتضدة به ؛ يشكل الحكم بتقديم الاستصحاب ، بل الاستصحاب مورود بالنسبة إلى الشهرة العظيمة فقط ، فضلا عمّا كان في المقام أدلّة معتضدة به ؛ فالحكم بتعيين الاجتهاد حينئذ - وفاقا للمعظم - أولى . لكن يشكل الأمر من حيث أنّ المسألة أصوليّة ، والدليل الظنّي لا يكفي فيها ؛ اللهمّ إلّا أن يقال : تعارض الاستصحاب والشهرة ، وصارت قاعدة الاشتغال ونحوها مرجّحا لأحد الطرفين ؛ وهو كما ترى . أو يقال : إنّ المسألة فرعيّة ، لأنّ الكلام فيها في أنّ ذي الملكة يجب عليه الاجتهاد ، أم لا ؛ والمسألة التي يبحث فيه عن عوارض أفعال المكلّفين فرعيّة ؛ وهو أيضا كما ترى ، لأنّ مآل الكلام إلى أنّ قول المجتهد الآخر حجّة لهذا الشخص أم لا ، كما نظيره في مسألة التجزّي ، ولئن سلّمنا أنّ المسألة ليست أصوليّة ، لكن لا أقلّ من كونها مشكوكة الأصوليّة والفرعيّة ، فلا بدّ أيضا فيها من الأدلّة العلميّة ؛ فتأمّل . فإن قلت : كما أنّ الأدلّة الخمسة معتضدة بالشهرة ، كذلك استصحاب جواز التقليد معتضد بقوله تعالى فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ فإنّ المجتهد المفروض لعدم استنباطه حكما ممّن لا يعلم ، وكلّ من لا يعلم فليسأل أهل الذكر ؛ والمجتهد الآخر لفعليّة استنباطه من أهل الذكر ؛ فلئن سلّمنا عدم ترجيح الاستصحاب لهذا المرجّح ، فلا أقلّ من التساوي والتساقط ، فيبقى الحكم بلا دليل .