الشيخ محمد مهدي الكجوري الشيرازي
214
الاجتهاد والتقليد
الثالث : أن يكون مرادهم أنّ للّه تعالى أحكاما متعدّدة في كلّ واقعة بعدد الآراء ، ويطابق رأي كلّ واحد بواحد منها من دون جبر ، بل من باب البخت والاتّفاق ؛ ولا يخفى أنّ هذا الاحتمال أنسب بمذاق المعتزلة من المصوّبة . الرابع : أن يكون مرادهم أنّ اللّه تعالى لمّا كان يعلم أنّ رأي المجتهد الفلاني يؤدّيه إلى هذا الحكم ، صيّر هذا الحكم في الواقع مجعولا له ؛ وكذا بالنسبة إلى سائر المجتهدين . وإذا عرفت الاحتمالات المتصوّرة للمصوّبة والأقوال في المسألة ، فاعلم أنّ تحقيق الحقّ في المسألة يتوقّف على تقديم مقدّمتين : المقدّمة الأولى : في تحرير محلّ النزاع ، فإنّه يمكن أن يقال : إنّ النزاع بين الفريقين لا معنى له ، لأنّ المتنازع فيه بالتخطئة والتصويب إن كان هو الحكم الذي نزل به جبرئيل على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، فباتّفاق الفريقين هو حكم واحد ، فلا معنى للاختلاف فيه بالتخطئة والتصويب ، لأنّ الاختلاف فرع التعدّد ؛ وإن كان المتنازع فيه الأحكام المختلفة التي يستنبطها المجتهدون ، فهو بالاتّفاق متعدّد ، فلا معنى لأن يقال : إنّ الحكم الواقعي واحد أو متعدّد . لكن الحقّ : أنّ النزاع بينهم معنويّ ، لأنّ المصوّبة يقولون على الاحتمال الأوّل : إنّ رأي كلّ مجتهد يحدث حكما في اللوح المحفوظ ، سواء كان ذلك المجتهد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله - على زعمهم الفاسد - أو غيره صلّى اللّه عليه وآله ؛ وعلى الاحتمالات الباقية يقولون : إنّ الأحكام المثبتة في اللوح متعدّد بتعدّد آراء المجتهدين في كلّ واقعة خاصّة ، وإنّ النازل على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، سواء كان بطريق الوحي أو الاجتهاد ، واحد منها ، وآراء سائر المجتهدين كلّ واحد مطابق لواحد من الأحكام كائنا ما كان . وأمّا المخطئة فهم يقولون : بأنّ الحكم الواقعي المثبت في اللوح في كلّ واقعة حكم واحد ، وهو الذي نزل إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، ونحن مكلّفون بتحصيل ذلك الحكم ، وهو الحكم الذي أراده اللّه تعالى منّا على فرض التمكّن من تحصيله ، كالمشافهين و