الشيخ محمد مهدي الكجوري الشيرازي
206
الاجتهاد والتقليد
دليلا قطعيّا ، بمعنى أنّ لجميع المسائل على زعمه في الواقع دليلا قطعيّا والمخطئ معذور ، فمعنى كلامه في عنوان المقام الرابع « وأمّا فيما لم يكن » إلى آخره ، إنّ ما لم يكن من المسائل الضروريّة والإجماعيّة ، كما يشهد على قولك قوله « كسائر المسائل الاجتهاديّة » فالمخطئ فيه معذور بلا خلاف . والحاصل : أنّ عدم ورود الاعتراض على الفاضل بيّن لمن تأمّل في كلامه أدنى تأمّل . فأقول : العجب من الأستاد ، كيف تجرّى على إسناد الخبط صريحا إلى هذا الفاضل قبل التأمّل في كلامه ؟ أمّا المقام الأوّل : أي الأحكام العقليّة ، كوحدة الصانع وحدوث العالم وأمثالها ، فقد اختلفوا في أنّ المختلفين فيها كلّهم مصيبون ، بمعنى أنّ كلّ من اجتهد فيها وفهم شيئا فهو مطابق للواقع ، وإن كانت الأشياء المفهومة بعد الاجتهاد متضادّة ؛ كما لو أدّى اجتهاد واحد إلى أنّ الصانع مثلا واحد أو العالم حادث ، وأدّى اجتهاد الآخر إلى أنّه - تعالى عمّا يقولون - متعدّد أو العالم قديم ؛ أو المصيب واحد والباقون مخطئون . وعلى فرض التخطئة ، هل المخطئ في أصول العقائد آثم أم لا ؟ فذهب عبد اللّه ابن حسن العنبري البصري إلى التصويب ، وذهب الجاحظ إلى التخطئة والمعذوريّة ، وذهب الجمهور من المسلمين على أنّ المصيب واحد ؛ وادّعى بعضهم عليه الإجماع ، وأنّ النافي للإسلام مخطئ آثم كافر . والمختار من حيث التخطئة والتصويب : التخطئة ، حذرا من اجتماع النقيضين الذي فساده من البديهيّات الأوّليّة ، وما ذهب إليه العنبري لا يمكن تعقّله . ومن حيث المعذوريّة وعدمها : التفصيل بين القاصر فمعذور ، والمقصّر فغير معذور ؛ أمّا في المقصّر فواضح ، وأمّا في القاصر ، سواء كان قصوره باعتبار نقصان عقله كالنساء والسفهاء ، أو باعتبار أنّه كان كامل العقل واستفرغ وسعه واعتقد