الشيخ محمد مهدي الكجوري الشيرازي

112

الاجتهاد والتقليد

معرفة الرجال في عصرنا هذا بالمعاشرة واختبار الحال ، لا بدّ من الرجوع إلى الكتب من باب المقدّمة ؛ وكذا نكتفي ملكة المعرفة لا فعليّتها . والحاصل : أنّ كيفيّة معرفة علم الرجال على نحو كيفيّة معرفة العلوم العربيّة ، في جميع ما ذكر مطلبا ودليلا ، فعليك بالرجوع والتطبيق ؛ وكذا في مقدار المعرفة ، فإنّه يكفي معرفة الرجال الذين روي منهم أحاديث الأحكام ، ولا احتياج إلى معرفة رواة الأخبار الواردة في غير الأحكام ، كالواردة في أصول العقائد والطبّ مثلا . وبعد ما عرفت ذلك ، نقول : إنّ من جملة شكوكهم التي استدلّوا بها في المقام ، على عدم الاحتياج بعلم الرجال ، أنّ الأخبار المدوّنة في الكتب الأربعة للأئمّة والمشايخ الثلاثة ، كلّها قطعيّة الصدور من الأئمّة عليهم السّلام ، وبعد ما كانت قطعيّة الصدور ، لا احتياج إلى معرفة أحوال الرواة . أمّا الكبرى فبديهيّة ؛ وأمّا الصغرى ، فلأنّه اجتمعت في زمن الأئمّة عليهم السّلام أربعة آلاف أو ستّة آلاف أصل ، وكلّ صاحب أصل كان جادّا في تصحيح أصله ، كأن كان يعرضه على الإمام عليه عليه السّلام ، أو كان يكتب الحديث عند حضوره بخدمته عليه السّلام ؛ ومع ذلك ، فما كانت الأصول محتملة لاشتمالها على الأخبار الموضوعة المنتسبة إليهم عليهم السّلام كذبا . انتخب قدماء الأصحاب رضوان اللّه عليهم أربعمائة أصل ، مع شدّة اهتمامهم في الاحتراز عن الأصول المحتملة للكذب ؛ ومع ذلك ، لم يقتصر المحمّدون الثلاثة رحمهم اللّه على ذلك ، وانتخبوا من الأصول الأربعمائة أحاديث زبروها في الكتب الأربعة ، مع صرف أعمارهم وبذل جهدهم في تصحيح تلك الأحاديث ، حتّى أنّه قيل ، بل اشتهر : إنّ الكليني رحمه اللّه سمع أنّ عند رجل حديث أو أصل ، فسافر إلى بلده ليأخذ الحديث منه ، فوجده في القاع يريد أن يأخذ فرسه الشارد بالحيلة ، فلمّا رأى الشيخ ذلك ، أعرض عنه وقال : إنّه رجل محتال ليس قابلا لأخذ الحديث منه ؛ وأمثال ذلك ، كما اشتهر عن القمّيّين رحمهم اللّه .