السيد تقي الطباطبائي القمي
8
آراؤنا في أصول الفقه
الجهة الثانية في تعيين الواضع : ربما يقال إن الواضع هو اللّه تبارك وتعالى بتقريب ان الوضع أمر متوسط بين الأمور التكوينية والأمور التشريعية فان الأمور التكوينية أمور خارجية لا تنالها يد التشريع كالجوع والعطش والألم واللذة والأمور التشريعية أمور مجعولة شرعية لا تنالها يد التكوين كالوجوب والحرمة والإباحة والوضع لا تكويني محض ولا تشريعي كذلك فإنه يلهم الانسان فهم الالفاظ وقوة التلفظ بها وقال في كتابه الكريم « خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ » « 1 » ويرد على هذا التقريب انه لا واسطة بين الأمرين فان الأمور اما تكوينية كالجواهر والأعراض واما تشريعية كالاحكام التكليفية والوضعية والأمور التكوينية كلها بيده تعالى ونعم ما قال الحكيم السبزواري . أزمة الأمور طرا بيده * والكل مستمدة من مدده فكل صنعة قائمة بالمكلف وكل فعل صادر منه بإرادته ومشيته التكوينية ولا نلتزم بالجبر بل نقول جميع الأمور تنتهى اليه فلا فرق بين فهم المعاني ووضع الالفاظ والتلفظ بها وبقية الأمور كالجوع والعطش والأكل والشرب فان كلها بالهامه واحاطته وارادته كما قال اللّه تعالى « وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً » « 2 » . وأما قوله تعالى « الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ » « 3 » لا يدل على مدعى الخصم بل يدل على أن الخلق والنطق كبقية الأمور تحت قدرته ومنه واليه فلا يكون الواضع هو اللّه تبارك وتعالى ويتوقف معرفة الواضع على معرفة الوضع إذ لو اتضح معنى الوضع يتضح انه من الواضع فان الواضع مشتق
--> ( 1 ) الرحمن / 3 و 4 ( 2 ) النحل / 68 ( 3 ) الرحمن / 1 إلى 4