عبد القاهر الجرجاني
344
دلائل الإعجاز في علم المعاني
أن نستأنفه بعون اللّه تعالى منك نيّة حسنة تقيك الملل ، ورغبة صادقة تدفع عنك السّأم ، وأريحيّة يخفّ معها عليك تعب الفكر وكدّ النّظر ، واللّه تعالى وليّ توفيقك وتوفيقنا بمنه وفضله . ونبدأ فنقول : فإذا ثبت الآن أن لا شكّ ولا مرية في أن ليس " النظم " شيئا غير توخّي معاني النحو وأحكامه فيما بين معاني الكلم ، ثبت من ذلك أن طالب دليل الإعجاز من نظم القرآن ، إذا هو لم يطلبه في معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه ، ولم يعلم أنها معدنه ومعانه " 1 " ، وموضعه ومكانه ، وأنّه لا مستنبط له سواها ، وأن لا وجه لطلبه فيما عداها ، غارّ نفسه بالكاذب من الطمع ، ومسلم لها إلى الخدع ، وأنه إن أبى أن يكون فيها ، كان قد أبى أن يكون القرآن معجزا بنظمه ، ولزمه أن يثبت شيئا آخر يكون معجزا به ، وأن يلحق بأصحاب " الصّرفة " " 2 " فيدفع الإعجاز عن أصله ، وهذا تقرير لا يدفعه إلّا معاند يعدّ الرجوع عن باطل قد اعتقده عجزا ، والثّبات عليه من بعد لزوم الحجة جلدا ، ومن وضع نفسه في هذه المنزلة ، كان قد باعدها من الإنسانيّة . ونسأل اللّه تعالى العصمة والتوفيق . وهذه أصول يحتاج إلى معرفتها قبل الذي عمدنا له . اعلم أنّ معاني الكلام كلّها معان لا تتصوّر إلا فيما بين شيئين ، والأصل والأوّل هو " الخبر " . وإذا أحكمت العلم بهذا المعنى فيه ، عرفته في الجميع . ومن الثّابت في العقول والقائم في النفوس ، أنه لا يكون خبر حتى يكون مخبر به ومخبر عنه ، لأنه ينقسم إلى " إثبات " و " نفي " . و " الإثبات " ، يقتضي مثبتا ومثبتا له ، و " النفي " يقتضي منفيّا ومنفيّا عنه . فلو حاولت أن تتصوّر إثبات معنى أو نفيه من دون أن يكون هناك مثبت له ومنفي عنه ، حاولت ما لا يصحّ في عقل ، ولا يقع في وهم . ومن أجل ذلك امتنع أن يكون لك قصد إلى فعل من غير أن تريد إسناده إلى شيء مظهر أو مقدّر مضمر ، وكان لفظك به ، إذا أنت لم ترد ذلك ، وصوتا تصوّته سواء . وإن أردت أن تستحكم معرفة ذلك في نفسك ، فانظر إليك إذا قيل لك : " ما فعل زيد " ؟ فقلت : " خرج " ، هل يتصوّر أن يقع في خلدك من " خرج " معنى من دون أن ينوى فيه ضمير " زيد " ؟ وهل تكون ، إن أنت زعمت أنك لم تنو ذلك ، إلّا مخرجا نفسك إلى الهذيان ؟
--> ( 1 ) المعان : المباءة والمنزل ومعان القوم : منزلهم . اللسان ( معن ) . ( 2 ) هم المعتزلة ، الحيوان للجاحظ ( 4 / 89 ) .