عبد القاهر الجرجاني

342

دلائل الإعجاز في علم المعاني

يضم لهما المعنى ، ويدخل الخلل عليه من أجلهما ، وعلى أن يتعسّف في الاستعارة بسببهما ، ويركب الوعورة ، ويسلك المسالك المجهولة ، كالذي صنع أبو تمام في قوله : [ من البسيط ] سيف الإمام الّذي سمّته هييته * لمّا تخرّم أهل الأرض مخترما قرّت بقرّان عين الدين وانتشرت * بالأشترين عيون الشّرك فاصطلما " 1 " وقوله : [ من الكامل ] ذهبت بمذهبه السّماحة والتوت * فيه الظّنون ، أمذهب أم مذهب " 2 " ويصنعه المتكلفون في الأسجاع . وذلك أنّه لا يتصوّر أن يجب بهما ، ومن حيث هما ، فضل ، ويقع بهما مع الخلوّ من المعنى اعتداد . وإذا نظرت إلى تجنيس أبي تمام : " أمذهب أم مذهب " ، فاستضعفته ، وإلى تجنيس القائل : [ من البسيط ] حتّى نجا من خوفه وما نجا " 3 " وقول المحدث : [ من الخفيف ] ناظراه فيما جنى ناظراه ، * أو دعاني أمت بما أو دعاني " 4 " فاستحسنته ، لم تشكّ بحال أن ذلك لم يكن لأمر يرجع إلى اللّفظ ، ولكن لأنك رأيت الفائدة ضعفت في الأوّل ، وقويت في الثاني . وذلك ؛ أنّك رأيت أبا تمام لم يزدك بمذهب ومذهب ، على أن أسمعك حروفا مكررة لا تجد لها فائدة إن وجدت ، إلا متكلّفة متمحّلة ، ورأيت الآخر قد أعاد عليك اللفظة كأنه يخدعك عن

--> ( 1 ) البيتان في الديوان ( ص 284 ) من قصيدة قالها يمدح إسحاق بن إبراهيم المصعبي . ويفصل بين البيتين بيت آخر نصه : إنّ الخليفة لما صال كنت له * خليفة الموت في من جار أو ظلما وتخرّم : تشقق ويقال : رجل مخروم : أي قطعت وترة أنفه . ويقال : اخترم فلان عنا : مات وذهب ، واخترمهم الدهر وتخرّمهم أي : اقتطعهم واستأصلهم . وشترت العين : استرخت وانشقت ، واصطلم : استؤصل . ( 2 ) البيت في ديوانه من قصيدة له يمدح الحسن بن وهب ويصف غلاما أهداه إليه . ( 3 ) البيت في أسرار البلاغة غير منسوب ، وقال الشيخ شاكر - رحمه اللّه - في تعليقه : " نجا " الأولى من " النجو " وهو ما يخرج من البطن من الغائط ، يريد أنه من خوفه أحدث ، ثم لم ينج من " النجاة " . ( 4 ) البيت في أسراء البلاغة ( ص 7 ) ، وهو لشدّاد بن إبراهيم الجزري أو لأبي الفتح البستي .