عبد القاهر الجرجاني

307

دلائل الإعجاز في علم المعاني

لو أنني أوفي التّجارب حقّها وكذلك لم يصف ابن أبي فنن بنقاء العبارة ، من أجل حروف . أدميت باللّحظات وجنته واعلم أنك إذا سبرت أحوال هؤلاء الذين زعموا أنه إذا كان المعبّر عنه واحدا ، والعبارة اثنتين ، ثم كانت إحدى العبارتين أفصح من الأخرى وأحسن ، فإنه ينبغي أن يكون السبب في كونها أفصح وأحسن ، اللّفظ نفسه وجدتهم قد قالوا ذلك من حيث قاسوا الكلامين على الكلمتين ، فلمّا رأوا أنّه إذا قيل في " الكلمتين " إن معناهما واحد ، لم يكن بينهما تفاوت ، ولم يكن للمعنى في إحداهما حال لا يكون له في الأخرى ظنّوا أن سبيل الكلامين هذا السبيل . ولقد غلطوا فأفحشوا ، لأنه لا يتصوّر أن تكون صورة المعنى في أحد الكلامين أو البيتين ، مثل صورة في الآخر البتّة ، اللهم إلّا أن يعمد عامد إلى بيت فيضع مكان كل لفظة منه لفظة في معناها ، ولا يعرض لنظمه وتأليفه ، كمثل أن يقول في بيت حطيئة : [ من البسيط ] دع المكارم لا ترحل لبغيتها * واقعد فإنّك أنت الطّاعم الكاسي ذر المفاخر لا تذهب لمطلبها * واجلس فإنّك أنت الآكل اللّابس " 1 " وما كان هذا سبيله كان بمعزل من أن يكون به اعتداد ، وأن يدخل في قبيل ما يفاضل فيه بين عبارتين ، بل لا يصح أن يجعل ذلك عبارة ثانية ، ولا أن يجعل الذي يتعاطاه بمحلّ من يوصف بأنه أخذ معنى . ذلك لأنه لا يكون ذلك صانعا شيئا يستحق أن يدعى من أجله واضع كلام ، ومستأنف عبارة وقائل شعر . ذاك لأنّ بيت حطيئة لم يكن كلاما وشعرا من أجل معاني الألفاظ المفردة التي تراها فيه ، مجرّدة معرّاة من معاني النظم والتأليف ، بل منها متوخّى فيها ما ترى من كون " المكارم " مفعولا " لدع " ، وكون قوله " لا ترحل لبغيتها " جملة أكدت الجملة قبلها ، وكون " اقعد " معطوفا بالواو على مجموع ما مضى ، وكون جملة " أنت الطاعم الكاسي " ، معطوفة بالفاء على " اقعد " ، فالذي يجيء فلا يغيّر شيئا من هذا الّذي به كان كلاما وشعرا ، لا يكون قد أتى بكلام ثان وعبارة ثانية ، بل لا يكون قد قال من عند نفسه شيئا البتّة . وجملة الأمر أنه كما لا تكون الفضّة أو الذهب خاتما أو سوارا أو غيرهما من

--> ( 1 ) سبق تخريجه .