عبد القاهر الجرجاني

299

دلائل الإعجاز في علم المعاني

فقلت له لمّا تمطّى بصلبه * وأردف أعجازا وناء بكلكل " 1 " والعجب من أنّهم لم ينظروا فيعلموا أنه لو كان منشد الشّعر " محتذيا " ، لكان يكون قائل شعر ، كما أن الذي يحذو النّعل بالنعل يكون قاطع نعل . وهذا تقرير يصلح لأن يحفظ للمناظرة ينبغي أن يقال لمن يزعم أن المنشد إذا أنشد شعر امرئ القيس ، كان قد أتى بمثله على سبيل " الاحتذاء " : أخبرنا عنك ؟ لما ذا زعمت أنّ المنشد قد أتى بمثل ما قاله امرؤ القيس ؟ ألأنه نطق بأنفس الألفاظ التي نطق بها ، أم لأنه راعى " النّسق " الذي راعاه في النّطق بها ؟ . فإن قلت : " إنّ ذلك لأنه نطق بأنفس الألفاظ التي نطق بها " ، أحلت ، لأنه إنما يصحّ أن يقال في الثاني أنه أتى بمثل ما أتى بمثل ما أتى به الأوّل ، إذا كان الأوّل قد سبق إلى شيء فأحدثه ابتداء ، وذلك في الألفاظ محال ، إذ ليس يمكن أن يقال : إنه لم ينطق بهذه الألفاظ التي هي في قوله : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل " 2 " قبل امرئ القيس أحد . وإن قلت : إنّ ذلك لأنه قد راعى في نطقه بهذه الألفاظ " النّسق " الذي راعاه امرؤ القيس . قيل : إن كنت لهذا قضيت في المنشد أنّه قد أتى بمثل شعره ، فأخبرنا عنك ؟ إذا قلت : " إن التّحدي وقع في القرآن إلى أن يؤتى بمثله على جهة الابتداء " ، ما تعني به ؟ أتعني أنه يأتي في ألفاظ غير ألفاظ القرآن ، بمثل الترتيب والنسق الذي تراه في ألفاظ القرآن ؟ فإن قال : ذلك أعني . قيل له : أعلمت أنّه لا يكون الإتيان بالأشياء بعضها في أثر بعض على التوالي

--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( ص 117 ) ، وجاءت بلفظ " بجوزه " بدلا من " بصلبه " ، والبيت في الإيضاح ( ص 265 ) ، والبيتان في المعاني والبيان للطيبي ( ص 320 ) ، وتمطى بصلبه : تمدد بظهره ويروى بجوزه أي بجسده . وأردف أعجازا : تابع أواخره بأوائله . وناء بكلكل : ناء : بمعنى حط وبمعنى بعد والأولى أولى بالمقام أي : حط بصدره . ( 2 ) صدر بيت لامرئ القيس من معلقته المشهورة وسبق تخريجه .