عبد القاهر الجرجاني

280

دلائل الإعجاز في علم المعاني

وإذ قد عرفت أنّ طريق العلم بالمعنى في " الاستعارة " و " الكناية " معا ، المعقول ، فاعلم أن حكم " التّمثيل " في ذلك حكمهما ، بل الأمر في " التمثيل " أظهر . وذلك أنه ليس من عاقل يشكّ إذا نظر في كتاب يزيد بن الوليد " 1 " إلى مروان ابن محمّد ، حين بلغه أنه يتلكأ في بيعته : " أمّا بعد ، فإنّي أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى ، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيّتهما شئت ، والسّلام " " 2 " . يعلم أنّ المعنى أنه يقول له : بلغني أنّك في أمر البيعة بين رأيين مختلفين ، ترى تارة أن تبايع ، ، وأخرى أن تمتنع من البيعة ، فإذا أتاك كتابي هذا فاعمل على أي الرأيين شئت وأنّه لم يعرف ذلك من لفظ " التقديم والتأخير " ، أو من لفظ " الرّجل " ، ولكن بأن علم أنه لا معنى لتقديم الرّجل وتأخيرها في رجل يدعى إلى البيعة ، وأنّ المعنى على أنه أراد أن يقول : إنّ مثلك في تردّدك بين أن تبايع ، وبين أن تمتنع ، مثل رجل قائم ليذهب في أمر ، فجعلت نفسه تريه تارة أن الصواب في أن يذهب ، وأخرى أنه في أن لا يذهب ، فجعل يقدّم رجلا تارة ، ويؤخّر أخرى . وهكذا كلّ كلام كان ضرب مثل ، لا يخفى على من له أدنى تمييز أن الأغراض التي تكون للناس في ذلك لا تعرف من الألفاظ ، ولكن تكون المعاني الحاصلة من مجموع الكلام أدلّة على الأغراض والمقاصد . ولو كان الذي يكون غرض المتكلم يعلم من اللفظ ، ما كان لقولهم : " ضرب كذا مثلا لكذا " ، معنى ، فما اللفظ " يضرب مثلا " ولكن المعنى . فإذا قلنا في قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : " إيّاكم وخضراء الدّمن " " 3 " ، إنه ضرب عليه السلام " خضراء الدّمن " مثلا للمرأة الحسناء في منبت السّوء ، لم يكن المعنى أنه صلى اللّه عليه وسلّم ضرب لفظ " خضراء الدّمن " مثلا لها . هذا ما لا يظنّه من به مسّ ، فضلا عن العاقل . فقد زال الشكّ وارتفع في أنّ طريق العلم بما يراد إثباته والخبر به في هذه الأجناس الثلاثة ، التي هي " الكناية " و " الاستعارة " و " التمثيل " المعقول دون اللّفظ ،

--> ( 1 ) هو أبو عبد الملك بلغ من العمر ( 40 ) سنة ودامت ولايته خمسة أشهر توفي ( 126 ) ه . شذرات الذهب ( 1 / 171 ) . ( 2 ) انظر البيان والتبيين ( 1 / 301 ) مع بعض الإضافة ، وورد الحديث عنها سابقا . ( 3 ) ذكره العجلوني في كشف الخفاء ( 1 / 272 ) ، وقال : رواه الدارقطني في الأفراد ، والعسكري في الأمثال ، وابن عدي في الكامل .