عبد القاهر الجرجاني

270

دلائل الإعجاز في علم المعاني

مزية على الذي يعقل من قولهم : " الطبع لا يتغير " ، و " لا يستطيع أن يخرج الإنسان عمّا جبل عليه " وأن لا يرى لقول أبي نواس : [ من السريع ] وليس للّه بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد مزيّة على أن يقال : " غير بديع في قدرة اللّه تعالى أن يجمع فضائل الخلق كلّهم في رجل واحد " . ومن أدّاه قول يقوله إلى مثل هذا ، كان الكلام معه محالا ، وكنت إذا كلّفته أن يعرف ، كمن يكلّف أن يميّز بحور الشعر بعضها من بعض ، فيعرف المديد من الطّويل ، والبسيط من السّريع من ليس له ذوق يقيم به الشعر من أصله . وإن اعترف بأنّ ذلك يكون ، قلنا له : أخبرنا عنك ، أتقول في قوله : وتأبى الطّباع على الناقل " 1 " أنه غاية في الفصاحة ؟ فإذا قال : نعم . قيل له : أفكان كذلك عندك من أجل حروفه ، أم من أجل حسن ومزيّة حصلا في المعنى فإن قال : من أجل حروفه : دخل في الهذيان وإن قال : من أجل حسن ومزيّة حصلا في المعنى ، قيل له : فذاك ما أردناك عليه حين قلنا : إن اللفظ يكون فصيحا من أجل مزية تقع في معناه ، لا من أجل جرسه وصداه . واعلم أنه ليس شيء أبين وأوضح وأحرى أن يكشف الشبهة عن متأمّله في صحة ما قلناه ، من " التشبيه " . فإنّك تقول : " زيد كالأسد " أو " مثل الأسد " أو " شبيه بالأسد " ، فتجد ذلك كلّه تشبيها غفلا ساذجا ثم تقول : " كأن زيدا الأسد " ، فيكون تشبيها أيضا ، إلّا أنّك ترى بينه وبين الأول بونا بعيدا ، لأنك ترى له صورة خاصّة ، وتجدك قد فخّمت المعنى وزدت فيه ، بأن أفدت أنه من الشّجاعة وشدّة البطش ، وأنّ قلبه قلب لا يخامره الذّعر ولا يدخله الرّوع ، بحيث يتوهّم أنه الأسد بعينه ثم تقول : " لئن لقيته ليلقينّك منه الأسد " ، فتجده قد أفاد هذه المبالغة ، لكن في صورة أحسن ، وصفة أخصّ ، وذلك أنك تجعله في " كأن " ، يتوهّم أنه الأسد ، وتجعله هاهنا يرى منه الأسد على القطع ، فيخرج الأمر عن حدّ التوهّم إلى حدّ اليقين ثم نظرت إلى قوله : [ من الطويل ]

--> ( 1 ) راجع هامش رقم ( 1 ) ص ( 271 ) .