عبد القاهر الجرجاني

266

دلائل الإعجاز في علم المعاني

عرفت الأشياء ، وقبل أن كانت . وما أدري ما أقول في شيء يجرّ الذاهبين إليه إلى أشباه هذا من فنون المحال ، ورديء الأقوال . هذا سؤال لهم من جنس آخر في " النظم " . قالوا : لو كان " النظم " يكون في معاني النحو ، لكان البدويّ الذي لم يسمع بالنحو قطّ ، ولم يعرف المبتدأ والخبر وشيئا ممّا يذكرونه ، لا يتأتّى له نظم كلام . وإنّا لنراه يأتي في كلامه بنظم لا يحسنه المتقدّم في علم النحو . قيل : هذه شبهة من جنس ما عرض للذين عابوا المتكلمين فقالوا : " إنّا نعلم أنّ الصحابة رضي اللّه عنهم والعلماء في الصّدر الأوّل ، لم يكونوا يعرفون " الجوهر " و " العرض " ، و " صفة النفس " و " صفة المعنى " وسائر العبارات التي وضعتموها ، فإن كان لا تتمّ الدّلالة على حدوث العالم والعلم بوحدانيّة اللّه ، إلا بمعرفة هذه الأشياء التي ابتدأتموها ، فينبغي لكم أن تدّعوا أنكم قد علمتم في ذلك ما لم يعلموه ، وأن منزلتكم في العلم أعلى من منازلهم . وجوابنا هو مثل جواب المتكلمين ، وهو أن الاعتبار بمعرفة مدلول العبارات ، لا بمعرفة العبارات . فإذا عرف البدويّ الفرق بين أن يقول : " جاءني زيد راكبا " ، وبين قوله : " جاءني زيد الرّاكب " ، لم يضرّه أن لا يعرف أنه إذا قال : " راكبا " ، كانت عبارة النحويين فيه أن يقولوا في " راكب " : " إنه حال " ، وإذا قال : " الراكب " ، أنه صفة جارية على " زيد " وإذا عرف في قوله : " زيد منطلق " أن " زيدا " مخبر عنه ، و " منطلق " خبر ، لم يضرّه أن لا يعلم أنّا نسمّي " زيدا " مبتدأ وإذا عرف في قولنا : " ضربته تأديبا له " ، أن المعنى في التأديب أنه غرضه من الضرب ، وأنه ضربه ليتأدب ، لم يضرّه أن لا يعلم أنا نسمي " التأديب " مفعولا له . ولو كان عدمه العلم بهذه العبارات ، يمنعه العلم بما وضعناها له وأردناه بها لكان ينبغي أن لا يكون له سبيل إلى بيان أغراضه ، وأن لا يفصل فيما يتكلّم به بين نفي وإثبات ، وبين " ما " إذا كان استفهاما وبينه إذا كان بمعنى " الذي " ، وإذا كان بمعنى المجازاة ، لأنه لم يسمع عباراتنا في الفرق بين هذه المعاني . أترى الأعرابيّ حين سمع المؤذّن يقول : " أشهد أنّ محمدا رسول اللّه " بالنصب ، فأنكر وقال : صنع ما ذا ؟ أنكر عن غير علم أن النصب يخرجه عن أن يكون خبرا ويجعله والأوّل في حكم اسم واحد ، وأنه إذا صار والأوّل في حكم اسم واحد ، احتيج إلى اسم آخر أو فعل ، حتى يكون كلاما ، وحتى يكون قد ذكر ما له فائدة ؟ إن كان لم يعلم ذلك ، فلما ذا قال : " صنع ما ذا ؟ " ، فطلب ما يجعله خبرا ؟