عبد القاهر الجرجاني
252
دلائل الإعجاز في علم المعاني
قيل : ليس الأمر كما ظننت ، بل ذلك يقتضي دخول الاستعارة ونظائرها فيما هو به معجز . وذلك لأنّ هذه المعاني التي هي " الاستعارة " ، و " الكناية " و " التمثيل " ، وسائر ضروب " المجاز " من بعدها من مقتضيات " النظم " ، وعنه يحدث وبه يكون ، لأنه لا يتصوّر أن يدخل شيء منها في الكلم وهي أفراد لم يتوخّ فيما بينها حكم من أحكام النحو ، . فلا يتصوّر أن يكون هاهنا " فعل " أو " اسم " قد دخلته الاستعارة ، من دون أن يكون قد ألّف مع غيره ، أفلا ترى أنه إن قدّر في " اشتعل " من قوله تعالى : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [ مريم : 4 ] ، أن لا يكون " الرأس " ، فاعلا له ، ويكون " شيبا " منصوبا عنه على التمييز ، لم يتصوّر أن يكون مستعارا ؟ وهكذا السبيل في نظائر " الاستعارة " ، فاعرف ذلك . واعلم أنّ السبب في أن لم يقع النظر منهم موقعه ، أنّهم حين قالوا : " نطلب المزية " ، ظنوا أن موضعها " اللفظ " بناء على أن " النظم نظم الألفاظ ، وأنه يلحقها دون المعاني ، وحين ظنّوا أنّ موضعها ذلك واعتقدوه ، وقفوا على " اللفظ " ، وجعلوا لا يرمون بأوهامهم إلى شيء سواه . إلّا أنّهم ، على ذاك لم يستطيعوا أن ينطقوا في تصحيح هذا الذي ظنّوه بحرف ، بل لم يتكلّموا بشيء إلّا كان ذلك نقضا وإبطالا لأن يكون " اللفظ " ، من حيث هو لفظ ، موضعا للمزية ، وإلا رأيتهم قد اعترفوا ، من حيث لم يدروا ، بأن ليس للمزية التي طلبوها موضع ومكان تكون فيه ، إلّا معاني النحو وأحكامه . وذلك أنهم قالوا : " إنّ الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلمات ، وإنّما تظهر بالضّم على طريقة مخصوصة " ، فقولهم : " بالضّم " ، لا يصح أن يراد به النّطق باللفظة بعد اللفظة ، من غير اتّصال يكون بين معنييهما ، لأنه لو جاز أن يكون لمجرّد ضمّ اللفظ إلى اللفظ تأثير في الفصاحة ، لكان ينبغي إذا قيل : " ضحك ، خرج " أن يحدث في ضم " خرج " إلى " ضحك " فصاحة ! وإذا بطل ذلك ، لم يبق إلا أن يكون المعنى في ضمّ الكلمة إلى الكلمة توخّي معنى من معاني النحو فيما بينهما . وقولهم : " على طريقة مخصوصة " ، يوجب ذلك أيضا ، وذلك أنه لا يكون للطريقة إذا أنت أردت مجرّد اللّفظ معنى . وهذا سبيل كلّ ما قالوه ، إذا أنت تأمّلته تراهم في الجميع قد دفعوا إلى جعل المزية في معاني النحو وأحكامه من حيث لم يشعروا ، ذلك لأنه أمر ضروريّ لا يمكن الخروج منه .