عبد القاهر الجرجاني
250
دلائل الإعجاز في علم المعاني
حركاته ، ومن ترتيب بينها وبين سكناته ؟ أم لفواصل في أواخر آياته ؟ من أين تليق هذه الصّفة وهذا التشبيه بذلك ؟ . أم ترى أنّ ابن مسعود حين قال في صفة القرآن : " لا يتفه ولا يتشانّ " " 1 " ، وقال : " إذا وقعت في آل حم ، وقعت في روضات دمثات أتأنّق فيهنّ " " 2 " ، أي أتتبّع محاسنهن ، قال ذلك من أجل أوزان الكلمات ، ومن أجل الفواصل في أواخر الآيات ؟ . أم ترى أنهم لذلك قالوا : " لا تفنى عجائبه ، ولا يخلق على كثرة الرّدّ " . أم ترى الجاحظ حين قال في كتاب النبوة : " ولو أنّ رجلا قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة واحدة ، لتبيّن له في نظامها ومخرجها ، من لفظها وطابعها أنه عاجز عن مثلها ، لو تحدّي بها أبلغ العرب لأظهر عجزه عنها " ، لغا ولغط فليس كلامه " 3 " هذا مما ذهبوا إليه في شيء . وينبغي أن تكون موازنتهم بين بعض الآي وبين ما قاله الناس في معناها ، كموازنتهم بين : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [ البقرة : 179 ] ، وبين : " قتل البعض إحياء للجميع " ، خطأ منهم ، لأنا لا نعلم لحديث التّحريك والتّسكين وحديث الفاصلة مذهبا في هذه الموازنة ، ولا نعلمهم أرادوا غير ما يريده الناس إذا وازنوا بين كلام وكلام في الفصاحة والبلاغة ودقّة النّظم وزيادة الفائدة ، ولولا أنّ الشيطان قد استحوذ على كثير من الناس في هذا الشأن ، وأنّهم بترك النّظر ، وإهمال التدبّر وضعف النّية ، وقصر الهمّة ، قد طرّقوا له حتى جعل يلقي في نفوسهم كلّ محال وكلّ باطل ، وجعلوا هم يعطون الذي يلقيه حظّا من قبولهم ، ويبوّءونه مكانا من قلوبهم ، لما بلغ من قدر هذه الأقوال الفاسدة أن تدخل في تصنيف ، ويعاد ويبدأ في تبيين لوجه الفساد فيها وتعريف . ثمّ إن هذه الشّناعات التي تقدّم ذكرها ، تلزم أصحاب " الصّرفة " " 4 " أيضا ، وذاك
--> ( 1 ) يتشان : الخبر بهذا اللفظ في غريب الحديث لابن الأثير وهو في مسند أحمد بن حنبل رقم ( 3845 ) . " إن هذا القرآن لا يختلف ولا يستشنّ ولا يتفه لكثرة الرد " ولا يتشان : لا يبلى . ( 2 ) خبر عبد اللّه بن مسعود هذا موجود في تفسير ابن كثير في أول سورة غافر ( 4 / 75 ) بدون إسناد ، دمثات : جمع دمثة : وهي المحقبة اللينة السهلة المعشبة . لغا ولغط : أتى بكلام لا يعتد به وأصوات مبهمة لا يفهم معناها . ( 3 ) كلامه : الضمير هنا يعود على الجاحظ . ( 4 ) أصحاب الصرفة أصحاب الضلال .