عبد القاهر الجرجاني

25

دلائل الإعجاز في علم المعاني

فحالف ، ولا واللّه تهبط تلعة * من الأرض إلّا أنت للذّلّ عارف ألا من رأى العبدين ، أو ذكرا له ؟ * عديّ وتيم تبتغي من تحالف " 1 " وروى الزّبير بن بكّار " 2 " قال : مرّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومعه أبو بكر رضي اللّه عنه برجل يقول في بعض أزقّة مكة : [ من الكامل ] يا أيّها الرجل المحوّل رحله * هلّا نزلت بآل عبد الدّار فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم يا أبا بكر ، أهكذا قال الشاعر ؟ قال : لا ، يا رسول اللّه ، ولكنه قال : يا أيّها الرّجل المحوّل رحله * هلّا سألت عن آل عبد مناف " 3 " فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : هكذا كنّا نسمعها . وأمّا ارتياحه صلى اللّه عليه وسلم للشعر واستحسانه له ، فقد جاء فيه الخبر من وجوه . من ذلك حديث النّابغة الجعدي قال : أنشدت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قولي : [ من الطويل ] بلغنا السّماء ، مجدنا وجدودنا * وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا " 4 " فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : أين المظهر يا أبا ليلى ؟ فقلت : الجنّة ، يا رسول اللّه . قال : أجل إن شاء اللّه . ثم قال : أنشدني ، فأنشدته من قولي : ولا خير في حلم ، إذا لم تكن له * بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا ولا خير في جهل ، إذا لم يكن له * حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا " 5 "

--> ( 1 ) البيتان لقيس بن معدان الكليبي . والتلعة : أرض مرتفعة غليظة يتردد فيها السيل ثم يندفع إلى أخرى أسفل منها والجمع : تلاع . انظر اللسان ( تلع ) . وقوله : " عارف " من قولهم " عرف للأمر ، واعترف " صبر له وذلّ وانقاد . ( 2 ) هو أبو عبد الله القرشي الأسدي المكي . عالم بالأنساب وأخبار العرب ولي قضاء مكة ، توفي سنة 256 ه . اه سير أعلام النبلاء ( 12 / 311 ) . ( 3 ) البيت لمطرود بن كعب الخزاعي وهو مطلع قصيدة . في رثاء عبد المطلب وبني عبد مناف . ا . ه السيرة النبوية ( 1 / 163 ) . ( 4 ) البيت للنابغة الجعدي في ديوانه ، الأغاني ( 5 / 12 ) ، ومظهرا : يعني مصعدا ، والظهر من الأرض ، ما غلظ وارتفع ، وفي الحديث عن عائشة : كان يصلي العصر في حجرتي قبل أن تظهر ، تعني الشمس أي : تعلو وترتفع . انظر اللسان ( ظهر ) . ( 5 ) في ديوانه ، وانظر الأغاني ( 5 / 13 ) ، وبادرة السيف : شباته ، والبادرة : الحدّة ، وهو ما يبدر من حدة الرجل عند غضبه من قول أو فعل ، والجمع : بوادر . انظر اللسان ( بدر ) .