عبد القاهر الجرجاني
227
دلائل الإعجاز في علم المعاني
فإن قيل : فإنك إذا قلت : " إنّما جاءني زيد " ، فقد نفيت فيه أيضا أن يكون المجيء قد كان من غيره ، فكان ينبغي أن لا يجوز فيه أيضا أن تعطف بلا فتقول : " إنّما جاءني زيد لا عمرو " . قيل : إنّ الذي قلته من أنك إذا قلت : " إنّما جاءني زيد " فقد نفيت فيه أيضا المجيء عن غيره غير مسلّم لك على حقيقته . وذلك أنه ليس معك إلّا قولك : " جاءني زيد " ، وهو كلام كما تراه مثبت ليس فيه نفي البتّة ، كما كان في قولك : " ما جاءني إلّا زيد " ، وإنّما فيه أنك وضعت يدك على " زيد " فجعلته " الجائي " ، وذلك وإن أوجب انتفاء المجيء عن غيره ، فليس يوجبه من أجل أن كان ذلك إعمال نفي في شيء ، وإنّما أوجبه من حيث كان " المجيء " الذي أخبرت به مجيئا مخصوصا ، إذا كان لزيد لم يكن لغيره . والذي أبيناه أن تنفي " بلا " العاطفة الفعل عن شيء وقد نفيته عنه لفظا . ونظير هذا أنّا نعقل من قولنا : " زيد هو الجائي " ، أنّ هذا المجيء لم يكن من غيره ، ثمّ لا يمنع ذلك من أن تجيء فيه " بلا " العاطفة فتقول : " زيد هو الجائي لا عمرو " ، لأنا لم نعقل ما عقلناه من انتفاء المجيء عن غيره ، وبنفي أوقعناه على شيء ، ولكن بأنه لمّا كان المجيء المقصود مجيئا واحدا ، كان النصّ على " زيد " بأنه فاعله وإثباته له ، نفيا له عن غيره ، ولكن من طريق المعقول ، لا من طريق أن كان في الكلام نفي ، كما كان ثمّ ، فاعرفه . فإن قيل : فإنك إذا قلت : " ما جاءني إلا زيد " ، ولم يكن غرضك أن تنفي أن يكون قد جاء معه واحد آخر ، كان المجيء أيضا مجيئا واحدا . قيل : إنه وإن كان واحدا ، فإنك إنّما تثبت أن " زيدا " الفاعل له ، بأن نفيت المجيء عن كلّ من سوى زيد ، كما تصنع إذا أردت أن تنفي أن يكون قد جاء معه جاء آخر . وإذا كان كذلك ، كان ما قلناه من أنك إن جئت " بلا " العاطفة فقلت : " ما جاءني إلا زيد لا عمرو " ، كنت قد نفيت الفعل عن شيء قد نفيته عنه مرّة صحيحا ثابتا ، كما قلناه ، فاعرفه . اعلم أنّ حكم " غير " في جميع ما ذكرنا ، حكم " إلّا " . فإذا قلت : " ما جاءني غير زيد " ، احتمل أن تريد نفي أن يكون قد جاء معه إنسان آخر ، وأن تريد نفي أن لا يكون قد جاء ، وجاء مكانه واحد آخر ولا يصحّ أن تقول : ما جاءني غير زيد لا عمرو " ، كما لم يجز : " ما جاءني إلّا زيد لا عمرو " .