عبد القاهر الجرجاني

223

دلائل الإعجاز في علم المعاني

في الكلمة من قبل أن يجيء الحرف . وإذا كان الأمر كذلك ، وجب أن يفترق الحال بين أن تقدّم المفعول على " إلّا " فتقول : " ما ضرب زيدا إلا عمرو " ، وبين أن تقدم الفاعل فتقول : " ما ضرب عمرو إلّا زيدا " ، لأنّا إن زعمنا أنّ الحال لا يفترق ، جعلنا المتقدم كالمتأخر في جواز حدوثه فيه . وذلك يقتضي المحال الذي هو أن يحدث معنى " إلّا " في الاسم من قبل أن تجيء بها ، فاعرفه . وإذا قد عرفت أن الاختصاص مع " إلا " يقع في الذي تؤخّره من الفاعل والمفعول ، فكذلك يقع مع " إنما " في المؤخّر منهما دون المقدّم . فإذا قلت : " إنّما ضرب زيدا عمرو " ، كان الاختصاص في الضارب ، وإذا قلت : " إنّما ضرب عمرو زيدا " ، كان الاختصاص في المضروب ، وكما لا يجوز أن يستوي الحال بين التقديم والتأخير مع " إلّا " ، كذلك لا يجوز مع " إنّما " . وإذا استبنت هذه الجملة ، عرفت منها أنّ الذي صنعه الفرزدق في قوله : وإنّما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي " 1 " شيء لو لم يصنعه لم يصحّ له المعنى . ذاك لأنّ غرضه أن يخصّ المدافع لا المدافع عنه . ولو قال : " إنّما أدافع عن أحسابهم " ، لصار المعنى أنّه يخص المدافع عنه ، وأنّه يزعم أن المدافعة منه تكون عن أحسابهم لا عن أحساب غيرهم ، كما يكون إذا قال : " وما أدافع إلّا عن أحسابهم " ، وليس ذلك معناه ، إنما معناه أن يزعم أنّ المدافع هو لا غيره ، فاعرف ذلك ، فإن الغلط كما أظنّ يدخل على كثير ممن تسمعهم يقولون : " إنه فصل الضمير للحمل على المعنى " ، فيرى أنه لو لم يفصله ، لكان يكون معناه مثله الآن . هذا ولا يجوز أن ينسب فيه إلى الضرورة ، فيجعل مثلا نظير قول الآخر : [ من الهزج ] كأنّا يوم قرّى إنّ * ما نقتل إيّانا " 2 "

--> ( 1 ) راجع ص ( 217 ) هامش ( 1 ) . ( 2 ) البيت من الكتاب لسيبويه ( 2 / 111 ، 362 ) ونسبه سيبويه إلى بعض اللصوص ، والبيت لذي الأصبع العدواني أو أبي بجيلة . انظر الخصائص ( 2 / 194 ) ، وبعده : وقتلنا منهم كل * فتى أبيض حسانا وقرى : بالضم وتشديد الراء : موضع في بلاد بني الحارث بن كعب ، فكأنهم قتلوا أنفسهم كما ذكر الشنتمرى أو يكون شبه أعداءهم الذين قتلوهم بأنفسهم في السيادة والحسن .