عبد القاهر الجرجاني
218
دلائل الإعجاز في علم المعاني
وأما الخبر بالنّفي والإثبات نحو : " ما هذا إلا كذا " ، و " إن هو إلّا كذا " ، فيكون للأمر ينكره المخاطب ويشكّ فيه . فإذا قلت : " ما هو إلّا مصيب " أو " ما هو إلّا مخطئ " ، قلته لمن يدفع أن يكون الأمر على ما قلت ، وإذا رأيت شخصا من بعيد فقلت : " ما هو إلّا زيد " ، لم تقله إلّا وصاحبك يتوّهم أنه ليس بزيد ، وأنه إنسان آخر ، ويجدّ في الإنكار أن يكون " زيدا " . وإذا كان الأمر ظاهر كالذي مضى ، لم تقله كذلك ، فلا تقول للرجل ترقّقه على أخيه وتنبّهه للذي يجب عليه من صلة الرّحم ومن حسن التّحابّ : " ما هو إلّا أخوك " وكذلك لا يصلح في " إنّما أنت والد " : " ما أنت إلّا والد " ، فأما نحو : " إنّما مصعب شهاب " ، فيصلح فيه أن تقول : " ما مصعب إلّا شهاب " ، لأنه ليس من المعلوم على الصحّة ، وإنما ادّعى الشاعر فيه أنه كذلك . وإذا كان هذا هكذا ، جاز أن تقوله بالنّفي والإثبات ، إلا أنك تخرج المدح حينئذ عن أن يكون على حدّ المبالغة ، من حيث لا تكون قد ادّعيت فيه أنه معلوم ، وأنه بحيث لا ينكره منكر ، ولا يخالف فيه مخالف . - قوله تعالى : إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا [ إبراهيم : 10 ] إنّما جاء ، واللّه أعلم ، " بأن " و " إلا " دون " إنّما " ، فلم يقل : " إنّما أنتم بشر مثلنا " ، لأنهم جعلوا الرسل كأنّهم بادّعائهم النبوّة قد أخرجوا أنفسهم عن أن يكونوا بشرا مثلهم ، وادّعوا أمرا لا يجوز أن يكون لمن هو بشر . ولما كان الأمر كذلك ، أخرج اللّفظ مخرجه حيث يراد إثبات أمر يدفعه المخاطب ويدعى خلافه ، ثم جاء الجواب من الرّسل الذي هو قوله تعالى : قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [ إبراهيم : 11 ] ، كذلك " بأن " و " إلّا " دون " إنما " ، لأن من حكم من ادّعى عليه خصمه الخلاف في أمر هو لا يخالف فيه ، أن يعيد كلام الخصم على وجهه ، ويجيء به على هيئته ويحكيه كما هو . فإذا قلت للرجل : " أنت من شأنك كيت وكيت " ، قال : " نعم ، أنا من شأني كيت وكيت ، ولكن لا ضير عليّ ، ولا يلزمني من أجل ذلك ما ظننت أنه يلزم " ، فالرسل صلوات اللّه عليهم كأنهم قالوا : " إنّ ما قلتم من أنّا بشر مثلكم كما قلتم ، لسنا ننكر ذلك ولا نجهله ، ولكن ذلك لا يمنعنا من أن يكون اللّه تعالى قد منّ علينا وأكرمنا بالرسالة . وأما قوله تعالى : قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [ الكهف : 110 ] ، [ فصلت : 6 ] فجاء " بإنما " ، لأنه ابتداء كلام قد أمر النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم بأن يبلّغه إياهم ويقوله معهم ، وليس