عبد القاهر الجرجاني

202

دلائل الإعجاز في علم المعاني

فتعلم أنه من قول الآخر : [ من الطويل ] يكاد إذا ما أبصر الضّيّف مقبلا * يكلّمه من حبّه وهو أعجم " 1 " وأن بينهما قرابة شديدة ونسبا لاصقا ، وأن صورتهما في فرط التناسب صورة بيتي " زياد " و " يزيد " . وممّا هو إثبات للصّفة على طريق الكناية والتعريض ، قولهم : " المجد بين ثوبيه ، والكرم في برديه " ، وذلك أن قائل هذا يتوصّل إلى إثبات المجد والكرم للممدوح ، بأن يجعلهما في ثوبه الذي يلبسه ، كما توصّل " زياد " إلى إثبات السماحة والمروءة والندى لابن الحشرج ، بأن جعلها في القبّة التي هو جالس فيها . ومن ذلك قوله : [ من البسيط ] وحيثما يك أمر صالح فكن " 2 " وما جاء في معناه من قوله : [ من المتقارب ] يصير أبان قرين السّماح * والمكرمات معا حيث صارا " 3 " وقول أبي نواس : [ من الطويل ] فما جازه جود ولا حلّ دونه * ولكن يصير الجود حيث يصير " 4 "

--> ( 1 ) البيت لابن هرمة ، وهو غير منسوب في الحيوان ( 1 / 377 ) ، والحماسة ( 1 / 260 ) ، ومنسوب لابن هرمة في البيان والتبيين ( 3 / 205 ) ، وهو في ديوان ابن هرمة ( 198 ) ، والتبيان ( 39 ) ، والطراز ، والإيضاح ( 288 ) ، والمفتاح ( 516 ) . ( 2 ) البيت : لزهير بن أبي سلمى ( الديوان 282 ) وهو عجز البيت ، وصدر البيت : " هنّاك ربّك ما أعطاك من حسن " وهنّاك : هنّأك . ( 3 ) البيت : للكميت بن زيد صاحب الهاشميات ورد البيت في ( سرقات أبي نواس 36 ) . ( 4 ) البيت في ديوانه ( 94 ) ، من قصيدة قالها عندما قدم على الخصيب صادف في مجلسه جماعة من الشعراء ينشدونه مدائح فيه فلما فرغوا ، قال الخصيب ألا تنشدنا أبا علي ؟ فقال : أنشدك أيها الأمير قصيدة هي بمنزلة عصا موسى تلقف ما يأفكون . قال : هات إذا فأنشده هذه فاهتز لها ، وأمر له بجائزة سنية ، والبيتان قبله : إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا * فأي فتى بعد الخصيب تزور فتى يشتري حسن الثناء بماله * ويعلم أن الدائرات تدور والبيت فيه كناية عن كرم وسخاء ممدوحه حتى لا يخلو مجال لذكر الكرماء من ذكره معهم ، والبيت في المفتاح ( 520 ) ، والإيضاح ( 291 ) ، وأورده بدر الدين بن مالك في المصباح ( 153 ) ، وعزاه لابن هانئ ، ومحمد بن علي الجرجاني في الإشارات ( 246 ) ، والطيبي في التبيان ( 1 / 331 ) ، وعزوه جميعا لأبي نواس .