عبد القاهر الجرجاني

200

دلائل الإعجاز في علم المعاني

إنّ السّماحة والمروءة والنّدى * في قبّة ضربت على ابن الحشرج " 1 " أراد ، كما لا يخفى ، أن يثبت هذه المعاني والأوصاف خلالا للممدوح وضرائب " 2 " ، فترك أن يصرّح فيقول : " إن السماحة والمروءة والندى لمجموعة في ابن الحشرج ، أو مقصورة عليه ، أو مختصّة به " ، وما شاكل ذلك مما هو صريح في إثبات الأوصاف للمذكورين بها ، وعدل إلى ما ترى من الكناية والتلويح فيجعل كونها في القبّة المضروبة عليه ، عبارة عن كونها فيه ، وإشارة إليه ، فخرج كلامه بذلك إلى ما خرج إليه من الجزالة ، وظهر فيه ما أنت ترى من الفخامة ، ولو أنه أسقط هذه الواسطة من البين ، لما كان إلا كلاما غفلا ، وحديثا ساذجا . فهذه الصّنعة في طريق الإثبات ، هي نظير الصّنعة في المعاني ، إذا جاءت كنايات عن معان أخر ، نحو قوله : [ من الوافر ] وما يك فيّ من عيب فإنّي * جبان الكلب مهزول الفصيل " 3 " فكما أنه إنما كان من فاخر الشعر ، ومما يقع في الاختيار " 4 " ، لأجل أنّه أراد أن يذكر نفسه بالقرى والضيافة ، فكنّى من ذلك بجبن الكلب وهزال الفصيل ، وترك أن يصرّح فيقول : " قد عرف أن جنابي مألوف ، وكلبي مؤدّب لا يهرّ في وجوه من يغشاني من الأضياف ، وأني أنحر المتالي " 5 " من إبلي وأدع فصالها هزلى " كذلك ، إنّما راقك بيت زياد ، لأنّه كنى عن إثباته السماحة والمروءة والندى كائنة في الممدوح ، بجعلها كائنة في القبّة المضروبة عليه .

--> ( 1 ) البيت لزياد الأعجم من قصيدة له في المدح ، وهو كناية عن وصف ممدوحه بالتمكين في صفات المروءة والسماحة والندى ، والبيت أورده القزويني في الإيضاح ( 290 ) ، وعزاه لأبي زياد الأعجم ، والسكاكي في المفتاح ( 517 ) ط ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، وفي الطراز ( 1 / 422 ) ، ونهاية الإيجاز ( 271 ) ، والإشارات ( 245 ) ، والمصباح ( 152 ) . ابن الحشرج : من ولاة بني أمية ، اسمه عبد اللّه . ( 2 ) ضرائب : الضريبة الخليفة يقال إنه لكريم الضرائب . اه اللسان / ضرب / ( 1 / 459 ) . ( 3 ) البيت أورده القزويني في الإيضاح ( 288 ) ، وهو لابن هرمة ، وهو شاعر مخضرمي الدولتين ، توفي سنة ( 145 ه ) ، والبيت غير منسوب في الحيوان ( 1 / 377 ) ، والحماسة ( 1 / 260 ) ، ومنسوب لابن هرمة في البيان والتبيين ، وفي ديوان ابن هرمة ( 198 ) ، والتبيان ( 39 ) ، والطراز ( 1 / 423 ) ، والإشارات ( 242 ) ، وأورده الرازي في نهاية الإيجاز ( 271 ) ، وبدر الدين بن مالك في المصباح ( 150 ) . الفصيل : ولد الناقة إذا فصل عن أمه . ( 4 ) الاختيار : اختيار أبي تمام في حماسته . ( 5 ) المتالي : الأمهات إذا تلاها الأولاد . اه اللسان مادة / تلا / ( 14 / 103 ) .