عبد القاهر الجرجاني

189

دلائل الإعجاز في علم المعاني

تقديم وتأخير ، وأنه قد حصل لك بذلك من زيادة المعنى ، ما إن حاولته مع تركه لم يحصل لك ، واحتجت إلى أن تستأنف له كلاما ، نحو أن تقول : " وجعلوا الجنّ شركاء للّه ، وما ينبغي أن يكون للّه شريك لا من الجن ولا من غيرهم " ، ثم لا يكون له إذا عقل من كلامين من الشرف والفخامة ومن كرم الموقع في النفس ، ما تجده له الآن وقد عقل من هذا الكلام الواحد . ومما ينظر إلى مثل ذلك ، قوله تعالى : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ [ البقرة : 96 ] ، إذا أنت راجعت نفسك وأذكيت حسّك ، وجدت لهذا التنكير وأن قيل : " على حياة " ، ولم يقل : " على الحياة " ، حسنا وروعة ولطف موقع لا يقادر قدره ، وتجدك تعدم ذلك مع التعريف ، وتخرج عن الأريحيّة والأنس إلى خلافهما . والسبب في ذلك أن المعنى على الازدياد من الحياة لا الحياة من أصلها ، وذلك أنه لا يحرص عليه إلا الحيّ ، فأما العادم للحياة فلا يصحّ منه الحرص على الحياة ولا على غيرها . وإذا كان كذلك ، صار كأنه قيل : " ولتجدنّهم أحرص الناس ، ولو عاشوا ما عاشوا ، على أن يزدادوا إلى حياتهم في ماضي الوقت وراهنه ، حياة في الذي يستقبل " . فكما أنّك لا تقول هاهنا : " أنّ يزدادوا إلى حياتهم الحياة " بالتعريف ، وإنما تقول : " حياة " إذ كان التعريف يصلح حيث تراد الحياة على الإطلاق ، كقولنا : " كل أحد يحب الحياة ، ويكره الموت " ، كذلك الحكم في الآية . والذي ينبغي أن يراعى : أنّ المعنى الذي يوصف الإنسان بالحرص عليه ، إذا كان موجودا حال وصفك له بالحرص عليه ، لم يتصوّر أن تجعله حريصا عليه من أصله . كيف ؟ ولا يحرص على الراهن ولا الماضي ، وإنما يكون الحرص على ما لم يوجد بعد . وشبيه بتنكير الحياة في هذه الآية تنكيرها في قوله عز وجل : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [ البقرة : 179 ] ، وذلك أن السبب في حسن التنكير ، وأن لم يحسن التعريف ، أن ليس المعنى على الحياة نفسها ، ولكن على أنه لما كان الإنسان إذا علم أنه إذا قتل قتل ، ارتدع بذلك عن القتل ، فسلم صاحبه ، صار حياة هذا المهموم بقتله " 1 " في مستأنف الوقت ، مستفادة بالقصاص ، وصار كأنّه قد حيي في باقي عمره به . وإذا كان المعنى على حياة في بعض أوقاته ، وجب التنكير وامتنع التعريف ، من حيث كان التعريف يقتضي أن تكون الحياة قد كانت بالقصاص من

--> ( 1 ) المهموم بقتله : أي الذي قصد قتله .