عبد القاهر الجرجاني
185
دلائل الإعجاز في علم المعاني
الرجلين كليهما " ، على معنى لا تضرب واحدا منهما . فإذا قال ذلك لزمه أن يحيل قول الناس : " لا تضربهما معا ، ولكن اضرب أحدهما " ، و " لا تأخذهما جميعا ، ولكن واحدا منهما " ، وكفى بذلك فسادا . وإذ قد بان لك من حال النّصب أنه يقتضي أن يكون المعنى على أنه قد صنع من الذّنب بعضا وترك بعضا ، فاعلم أنّ الرّفع على خلاف ذلك ، وأنه يقتضي نفي أن يكون قد صنع منه شيئا ، وأتى منه قليلا أو كثيرا ، وأنك إذا قلت : " كلّهم لا يأتيك " ، و " كلّ ذلك لا يكون " ، و " كلّ هذا لا يحسن " ، كنت نفيت أن يأتيه واحد منهم ، وأبيت أن يكون أو يحسن شيء مما أشرت إليه . ومما يشهد لك بذلك من الشّعر قوله : [ من الطويل ] فكيف ؟ وكلّ ليس يعدو حمامه * ولا لامرئ عمّا قضى اللّه مزحل " 1 " المعنى على نفي أن يعدو أحد من الناس حمامه ، بلا شبهة . ولو قلت : " فكيف وليس يعدو كلّ حمامه " : فأخرت " كلّا " ، لأفسدت المعنى ، وصرت كأنك تقول : " إن من الناس من يسلم من الحمام ويبقى خالدا لا يموت " . ومثله قول دعبل : [ من الطويل ] فو اللّه ما أدري بأيّ سهامها * رمتني ، وكلّ عندنا ليس بالمكدي أبا الجيد ، أم مجرى الوشاح ، وإنّني * لأتهم عينيها مع الفاحم الجعد " 2 " المعنى على نفي أن يكون في سهامها مكد على وجه من الوجوه . ومن البيّن في ذلك ما جاء في حديث ذي اليدين حين قال للنبيّ صلى اللّه عليه وسلّم : " أقصرت الصّلاة أم نسيت يا رسول اللّه ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلّم : كلّ ذلك لم يكن . فقال ذو اليدين : بعض ذلك قد كان " " 3 " ، المعنى لا محالة على نفي الأمرين جميعا ، وعلى أنه
--> ( 1 ) هو شعر إبراهيم بن كنيف النبهاني ، شرح حماسة التبريزي ( 1 / 136 ) ، وأمالي القالي ( 1 / 170 ) . ومزحل : مصدر ميمي من زحل إذا تباعد ، يعني ليس منه مهرب . ( 2 ) هو في المجموع من شعره . والمكدي الذي يخيب ولا يصيب هدفه . وقوله : " لأتهم " أي : أتهم عينيها ، واعلم أن التاء في التهمة مبدلة من الواو ، فقولهم " تهمة " أصلها : " وهمة " ولكنهم في هذا الفعل أجروا التاء المبدلة مجرى الأصل ، فقالوا : " أتهمه إتهاما " ويقال أيضا : " أوهمه " بمعنى أتهمه على الأصل . ( شاكر ) . ( 3 ) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور ، باب " إذا حنث ناسيا في الأيمان " ( 6671 ) ، ومسلم في المساجد ، باب السهو في الصلاة والسجود له ( 572 ) ، وابن ماجة في الإقامة ، باب ما جاء فيمن شك في صلاته فتحرى الصواب ( 1211 ) .