عبد القاهر الجرجاني

183

دلائل الإعجاز في علم المعاني

قد حمله الجميع على أنه أدخل نفسه من رفع " كلّ " في شيء إنما يجوز عند الضرورة ، من غير أن كانت به إليه ضرورة . قالوا : لأنه ليس في نصب " كلّ " ما يكسر له وزنا ، أو يمنعه من معنى أراده . وإذا تأملت وجدته لم يرتكبه ولم يحمل نفسه عليه إلا لحاجة له إلى ذلك ، وإلّا لأنه رأى النصب يمنعه ما يريد . وذاك أنه أراد أنها تدّعي عليه ذنبا لم يصنع منه شيئا البتّة لا قليلا ولا كثيرا ولا بعضا ولا كلّا . والنصب يمنع من هذا المعنى ، ويقتضي أن يكون قد أتى من الذنب الذي ادّعته بعضه . وذلك أنا إذا تأملنا وجدنا إعمال الفعل في " كل " والفعل منفيّ ، لا يصلح أن يكون إلا حيث يراد أن بعضا كان وبعضا لم يكن . تقول : " لم ألق كلّ القوم " ، و " لم آخذ كلّ الدراهم " ، فيكون المعنى أنك لقيت بعضا من القوم ولم تلق الجميع ، وأخذت بعضا من الدراهم وتركت الباقي ولا يكون أن تريد أنك لم تلق واحدا من القوم ، ولم تأخذ شيئا من الدراهم . وتعرف ذلك بأن تنظر إلى " كلّ " في الإثبات وتتعرّف فائدته فيه . وإذا نظرت وجدته قد اجتلب لأن يفيد الشمول في الفعل الذي تسنده إلى الجملة أو توقعه بها . تفسير ذلك ، أنك إنما قلت : " جاءني القوم كلهم " ، لأنك لو قلت : " جاءني القوم " وسكتّ ، لكان يجوز أن يتوهّم السامع أنه قد تخلّف عنك بعضهم ، إلا أنك لم تعتدّ بهم ، أو أنّك جعلت الفعل إذا وقع من بعض القوم فكأنما وقع من الجميع ، لكونهم في حكم الشخص الواحد ، كما يقال للقبيلة : " فعلتم وصنعتم " ، يراد فعل قد كان من بعضهم أو واحد منهم . وهكذا الحكم أبدا . فإذا قلت : " رأيت القوم كلّهم " و " مررت بالقوم كلّهم " ، كنت قد جئت " بكل " لئلّا يتوهم أنه قد بقي عليك من لم تره ولم تمرر به . وينبغي أن يعلم أنا لا نعني بقولنا " يفيد الشمول " ، أنّ سبيله في ذلك سبيل الشيء يوجب المعنى من أصله ، وأنه لولا مكان " كلّ " لما عقل الشمول ولم يكن فيما سبق من اللفظ دليل عليه . كيف ؟ ولو كان كذلك لم يكن يسمى " تأكيدا " . فالمعنى أنه يمنع أن يكون اللفظ المقتضي الشمول مستعملا على خلاف ظاهره ومتجوّزا فيه . وإذ قد عرفت ذلك ، فهاهنا أصل ، وهو أن من حكم النفي إذا دخل على كلام ، ثم كان في ذلك الكلام تقييد على وجه من الوجوه ، أن يتوجّه إلى ذلك التقييد ، وأن يقع له خصوصا .