عبد القاهر الجرجاني

148

دلائل الإعجاز في علم المعاني

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم لقول في الفصل والوصل اعلم أنّ العلم - بما ينبغي أن يصنع في الجمل من عطف بعضها على بعض ، أو ترك العطف فيها والمجيء بها منثورة ، تستأنف واحدة منها بعد أخرى - من أسرار البلاغة " 1 " ، وممّا لا يتأتّى لتمام الصواب فيه إلا الأعراب الخلّص ، وإلا قوم طبعوا على البلاغة ، وأوتوا فنّا من المعرفة في ذوق الكلام هم بها أفراد . وقد بلغ من قوة الأمر في ذلك أنهم جعلوه حدّا للبلاغة ، فقد جاء عن بعضهم أنه سئل عنها فقال : " معرفة الفصل من الوصل " ، ذاك " 2 " لغموضه ودقّة مسلكه ، وأنه لا يكمل لإحراز الفضيلة فيه أحد ، إلا كمل لسائر معاني البلاغة . واعلم أنّ سبيلنا أن ننظر إلى فائدة العطف في المفرد ، ثم نعود إلى الجملة فننظر فيها ونتعرّف حالها . ومعلوم أنّ فائدة العطف في المفرد أن يشرك الثاني في إعراب الأول ، وأنه إذا أشركه في إعرابه فقد أشركه في حكم ذلك الإعراب ، نحو أن المعطوف على المرفوع بأنه فاعل مثله ، والمعطوف على المنصوب بأنه مفعول به أو فيه أو له شريك له في ذلك . وإذا كان هذا أصله في المفرد ، فإنّ الجمل المعطوف بعضها على بعض على ضربين : أحدهما : أن يكون للمعطوف عليها موضع من الإعراب ، وإذا كانت كذلك كان حكمها حكم المفرد ، إذ لا يكون للجملة موضع من الإعراب حتى تكون واقعة موقع المفرد ، وإذا كانت الجملة واقعة موقع المفرد ، كان عطف الثانية عليها جاريا مجرى عطف المفرد على المفرد ، وكان وجه الحاجة إلى " الواو " ظاهرا ، والإشراك بها

--> ( 1 ) قوله : بما ينبغي إلى قوله بعد أخرى : اعتراض بين اعلم أن العلم . . . من أسرار البلاغة . ( 2 ) ذاك : المقصود منه الفصل .