عبد القاهر الجرجاني

144

دلائل الإعجاز في علم المعاني

كان المعنى على أنك بدأت فأثبتّ المجيء والرؤية ، ثم استأنفت خبرا ، وابتدأت إثباتا ثانيا لسعي الغلام بين يديه ، ولكون السيف على كتفه . ولما كان المعنى على استئناف الإثبات ، احتيج إلى ما يربط الجملة الثانية بالأولى ، فجيء بالواو كما جيء بها في قولك : " زيد منطلق وعمرو ذاهب " و " العلم حسن والجهل قبيح " ، وتسميتنا لها " واو حال " ، لا يخرجها عن أن تكون مجتلبة لضمّ جملة إلى جملة . ونظيرها في هذا " الفاء " في جواب الشرط نحو : " إن تأتني فأنت مكرم " ، فإنها وإن لم تكن عاطفة ، فإن ذلك لا يخرجها من أن تكون بمنزلة العاطفة في أنها جاءت لتربط جملة ليس من شأنها أن ترتبط بنفسها ، فاعرف ذلك ، ونزّل الجملة في نحو : " جاءني زيد يسرع " و " قد علوت قتود الرّحل يسفعني يوم " ، منزلة الجزاء الذي يستغني عن " الفاء " ، لأنّ من شأنه أن يرتبط بالشرط من غير رابط ، وهو قولك : " إن تعطني أشكرك " ، ونزّل الجملة في " جاءني زيد وهو راكب " ، منزلة الجزاء الذي ليس من شأنه أن يرتبط بنفسه ، ويحتاج إلى " الفاء " ، كالجملة في نحو : " إن تأتني فأنت مكرم " ، قياسا سويّا وموازنة صحيحة . فإن قلت : قد علمنا أن علّة دخول " الواو " على الجملة أن تستأنف الإثبات ، ولا تصل المعنى الثاني بالأوّل في إثبات واحد ، ولا تنزّل الجملة منزلة المفرد ، ولكن بقي أن تعلم لم كان بعض الجمل ، بأن يكون تقديرها تقدير المفرد في أن لا يستأنف بها الإثبات ، أولى من بعض ؟ وما الذي منع في قولك : " جاءني زيد وهو يسرع ، أو " وهو مسرع " أن يدخل الإسراع في صلة المجيء ويضمّه في الإثبات ، كما كان ذلك حين قلت : " جاءني زيد يسرع " ؟ . فالجواب أن السّبب في ذلك أن المعنى في قولك : " جاءني زيد وهو يسرع " ، على استئناف إثبات للسّرعة ، ولم يكن ذلك في " جاءني زيد يسرع " . وذلك أنك إذا أعدت ذكر " زيد " فجئت بضميره المنفصل المرفوع ، كان بمنزلة أن تعيد اسمه صريحا فتقول : " جاءني زيد وزيد يسرع " في أنك لا تجد سبيلا إلى أن تدخل " يسرع " في صلة المجيء ، وتضمّه إليه في الإثبات . وذلك أنّ إعادتك ذكر " زيد " لا يكون حتى تقصد استئناف الخبر عنه بأنه يسرع ، وحتى تبتدئ إثباتا للسرعة ، لأنّك إن لم تفعل ذلك ، تركت المبتدأ ، الذي هو ضمير " زيد " أو اسمه الظاهر ، بمضيعة ، وجعلته لغوا في البين ، وجرى مجرى أن تقول : " جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه " ، ثم تزعم أنك لم تستأنف كلاما ولم تبتدئ للسرعة إثباتا ، وأن حال " يسرع " هاهنا ، حاله إذا قلت : " جاءني زيد يسرع " ، فجعلت السرعة له ، ولم تذكر " عمرا " ، وذلك محال .