عبد القاهر الجرجاني
141
دلائل الإعجاز في علم المعاني
فقوله : " لا ترى " في موضع حال . ومثله في اللّطف والحسن قول أعشى همدان ، وصحب عبّاد بن ورقاء إلى أصبهان فلم يحمده فقال : [ من الوافر ] أتينا أصبهان فهزّلتنا * وكنّا قبل ذلك في نعيم وكان سفاهة منّي وجهلا * مسيري ، لا أسير إلى حميم " 1 " قوله : " لا أسير إلى حميم " ، حال من ضمير المتكلم الذي هو " الياء " في " مسيري " ، وهو فاعل في المعنى ، فكأنه قال : وكان سفاهة منّي وجهلا ، أن سرت غير سائر إلى حميم ، وأن ذهبت غير متوجّه إلى قريب : وقال خالد بن يزيد بن معاوية : [ من الكامل ] لو أنّ قوما لارتفاع قبيلة * دخلوا السّماء دخلتها لا أحجب " 2 " وهو كثير إلّا أنه لا يهتدي إلى وضعه بالموضع المرضيّ إلا من كان صحيح الطّبع . ومما يجيء بالواو وغير " الواو " ، الماضي ، وهو لا يقع حالا إلا مع " قد " مظهرة أو مقدّرة . أما مجيئها بالواو فالكثير الشائع ، كقولك : " أتاني وقد جهده السير " ، وأما بغير " الواو " فكقوله : [ من البسيط ] متى أرى الصّبح قد لاحت مخايله * واللّيل قد مزّقت عنه السّرابيل " 3 " وقول الآخر : [ من الوافر ] فآبوا بالرّماح مكسّرات * وأبنا بالسّيوف قد انحنينا " 4 " وقال آخر ، وهو لطيف جدّا : [ من الكامل ] يمشون قد كسروا الجفون " 5 " إلى الوغى * متبسّمين وفيهم استبشار ومما يجيء بالواو في الأكثر الأشيع ، ثم يأتي في مواضع بغير " الواو " فيلطف مكانه ويدلّ على البلاغة ، الجملة قد دخلها " ليس " تقول : " أتاني وليس عليه ثوب "
--> ( 1 ) البيتان في مجموع شعر الأعشية ( 341 ) ، وغير متتابعين وهما في الإيضاح ( 166 ) ، والإشارات ( 138 ) ، والتبيان لابن الزملكاني ( 122 ) . . ( 2 ) البيت في الإيضاح ( 166 ) ، والإشارات والتنبيهات ( 138 ) ، والبيت منسوب لخالد بن زيد بن معاوية من أحفاد معاوية بن أبي سفيان وكان عالما فيلسوفا كما في الإشارات والتبيان . ( 3 ) البيت لحندج بن حندج المري ، وهو في الإيضاح ( 166 ) . ( 4 ) البيت في شرح الحماسة للتبريزي ( 2 / 229 ، 234 ) . ( 5 ) قوله : يكسرون أغماد السيوف كناية عن استقبالهم للحرب وهي صفة من صفات الخوارج والجفون مفردها الجفن وهو غمد السيف .