عبد القاهر الجرجاني
129
دلائل الإعجاز في علم المعاني
ولا يخفى بعد ما بين الغرضين . فالمعنى في قولك : " أنت الحبيب " أنك الذي أختصّه بالمحبة من بين الناس ، وإذا كان كذلك ، عرفت أنّ الفرق واجب أبدا ، وأنه لا يجوز أن يكون " أخوك زيد " و " زيد أخوك " بمعنى واحد . وهاهنا شيء يجب النظر فيه ، وهو أنّ قولك : " أنت الحبيب " ، كقولنا " أنت الشجاع " ، تريد أنّه الذي كملت فيه الشجاعة ، أم كقولنا : " زيد المنطلق " ، تريد أنه الذي كان منه الانطلاق الّذي سمع المخاطب به ؟ وإذا نظرنا وجدناه لا يحتمل أن يكون كقولنا : " أنت الشجاع " ، لأنه يقتضي أن يكون المعنى أنه لا محبّة في الدنيا إلا ما هو به حبيب ، كما أنّ المعنى في " هو الشجاع " أنه لا شجاعة في الدنيا إلّا ما تجده عنده وما هو شجاع به . وذلك محال . وأمر آخر وهو أن الحبيب " فعيل " بمعنى " مفعول " ، فالمحبة إذن ليست هي له بالحقيقة ، وإنما هي صفة لغيره قد لابسته وتعلّقت به تعلق الفعل بالمفعول . والصّفة إذا وصفت بكمال وصفت به على أن يرجع ذلك الكمال إلى من هي صفة له ، دون من تلابسه ملابسة المفعول . وإذا كان كذلك ، بعد أن تقول : " أنت المحبوب " ، على معنى أنت الكامل في كونك محبوبا ، كما أن بعيدا أن يقال : " هو المضروب " ، على معنى أنه الكامل في كونه مضروبا . وإن جاء شيء من ذلك جاء على تعسّف فيه وتأويل لا يتصوّر هاهنا ، وذلك أن يقال مثلا : " زيد هو المظلوم " ، على معنى أنّه لم يصب أحدا ظلم يبلغ في الشدة والشّناعة الظّلم الذي لحقه ، فصار كلّ ظلم سواه عدلا في جنبه ، ولا يجيء هذا التأويل في قولنا : " أنت الحبيب " ، لأنا نعلم أنهم لا يريدون بهذا الكلام أن يقولوا : إن أحدا لم يحبّ أحدا محبتي لك ، وأنّ ذلك قد أبطل المحبّات كلّها حتى صرت الذي لا يعقل للمحبة معنى إلّا فيه ، وإنما الذي يريدون أن المحبة منّي بجملتها مقصورة عليك ، وأنه ليس لأحد غيرك حظ في محبّة مني . وإذا كان كذلك بان أنّه لا يكون بمنزلة " أنت الشجاع " ، تريد الذي يتكامل الوصف فيه ، إلا أنه ينبغي من بعد أن تعلم أن بين " أنت الحبيب " وبين " زيد المنطلق " فرقا ، وهو أنّ لك في المحبة التي أثبتّها طرفا من الجنسية ، من حيث كان المعنى أنّ المحبّة منّي بجملتها مقصورة عليك ، ولم تعمد إلى محبة واحدة من محبّاتك . ألا ترى أنك قد أعطيت بقولك : " أنت الحبيب " أنك لا تحبّ غيره ، وأن لا محبّة لأحد سواه عندك ؟ ولا يتصوّر هذا في " زيد المنطلق " ، لأنه لا وجه هناك