عبد القاهر الجرجاني

127

دلائل الإعجاز في علم المعاني

وهكذا من يتوهّم في نحو قوله : [ من الطويل ] أبوك حباب سارق الضّيف برده * وجدّي يا حجّاج فارس شمرا " 1 " أنّه لا فصل بينه وبين أن يقال : " حباب أبوك ، وفارس شمّر جدّي " . وهو موضع غامض . والذي يبيّن وجه الصواب ، ويدلّ على وجوب الفرق بين المسألتين : أنّك إذا تأملت الكلام وجدت ما لا يحتمل التسوية ، وما تجد الفرق قائما فيه قياما لا سبيل إلى دفعه ، هو الأعمّ الأكثر . وإن أردت أن تعرف ذلك ، فانظر إلى ما قدّمت لك من قولك : " اللابس الدّيباج زيد " ، وأنت تشير له إلى رجل بين يديه ، ثم انظر إلى قول العرب : " ليس الطيب إلّا المسك " ، وقول جرير : [ من الوافر ] ألستم خير من ركب المطايا " 2 " ونحو قول المتنبي : [ من الوافر ] ألست ابن الألى سعدوا وسادوا " 3 " وأشباه ذلك ممّا لا يحصى ولا يعدّ المعنى على أن يسلم لك مع قلب طرفي الجملة ، وقل : " ليس المسك إلا الطيب " ، و " أليس خير من ركب المطايا إياكم ؟ " ، " أليس ابن الألى سعدوا وسادوا إياك " ؟ تعلم أن الأمر على ما عرّفتك من وجوب اختلاف المعنى بحسب التقديم والتأخير .

--> ( 1 ) البيت لجميل في مجموع شعره ، وفي اللسان ( شمر ) ، ويروى في اللسان : وجدّي يا عبّاس فارس شمرا بدل " يا حجاج " . وشمّر : اسم فرس . ( 2 ) البيت في ديوانه ( 74 ) من قصيدة في مدح عبد الملك بن مروان . وتمام البيت والبيتان قبله : فإني قد رأيت عليّ حقا * زيارتي الخليفة وامتداحي سأشكر أن رددت عليّ ريشي * وأثبت القوادم في جناحي . . . . . . . . . . . . . . * وأندى العالمين بطون راح القوادم : الريش الكبير في الطائر ، المطايا : الركائب ، واحدتها مطية على وزن فعلية ، أندى : أكرم ، من الندى وهو الكرم ، والراح هنا الأكف واحدتها : راحة ، الأكف : جمع كف . والبيت في الإيضاح : ( 142 ) . ( 3 ) البيت في ديوانه ( 240 ) ، وتمامه والبيت قبله : يريك النزع بين القوس منه * وبين رمية الهدف اللهيبا . . . . . . . . . . . . . . . * ولم يلدوا امرأ إلا بخيبا الألى : الذين ، والاستفهام للتقرير . والبيت في شرح التبيان للعكبري ( 1 / 105 ) .