عبد القاهر الجرجاني
121
دلائل الإعجاز في علم المعاني
الخبر جاز أن تأتي بمبتدإ ثان ، على أن تشركه بحرف العطف في المعنى الذي أخبرت به عن الأول ، وإذا عرّفت لم يجز ذلك . تفسير هذا أنك تقول : " زيد منطلق وعمرو " ، تريد " وعمرو منطلق أيضا " ، ولا تقول : " زيد المنطلق وعمرو " ، ذلك لأن المعنى مع التعريف على أنك أردت أن تثبت انطلاقا مخصوصا قد كان من واحد ، فإذا أثبته لزيد لم يصحّ إثباته لعمرو . ثم إن كان قد كان ذلك الانطلاق من اثنين ، فإنه ينبغي أن تجمع بينهما في الخبر فتقول : " زيد وعمرو هما المنطلقان " ، لا أن تفرّق فتثبته أوّلا لزيد ، ثم تجيء فتثبته لعمرو . ومن الواضح في تمثيل هذا النحو قولنا : " هو القائل بيت كذا " ، كقولك : جرير هو القائل : [ من الطويل ] وليس لسيفي في العظام بقيّة " 1 " فأنت لو حاولت أن تشرك في هذا الخبر غيره ، فتقول : " جرير هو القائل هذا البيت وفلان " ، حاولت محالا ، لأنه قول بعينه ، فلا يتصوّر أن يشرك جريرا فيه غيره . واعلم أنك تجد " الألف واللام " في الخبر على معنى الجنس ، ثم ترى له في ذلك وجوها : أحدها : أن تقصر جنس المعنى على المخبر عنه لقصدك المبالغة ، وذلك قولك : " زيد هو الجواد " و " عمرو هو الشجاع " ، تريد أنه الكامل ، إلا أنك تخرج الكلام في صورة توهم أن الجود أو الشجاعة لم توجد إلا فيه ، وذلك لأنك لم تعتدّ بما كان من غيره ، لقصوره عن أن يبلغ الكمال . فهذا كالأول في امتناع العطف عليه للإشراك ، فلو قلت : " زيد هو الجواد وعمرو " ، كان خلفا من القول . والوجه الثاني : أن تقصر جنس المعنى الذي تفيده بالخبر على المخبر عنه ، لا على معنى المبالغة وترك الاعتداد بوجوده في غير المخبر عنه ، بل على دعوى أنه لا يوجد إلا منه . ولا يكون ذلك إلّا إذا قيّدت المعنى بشيء يخصّصه ويجعله في حكم
--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 461 ) من قصيدة قالها للفرزدق ويعاتب جده الخطفي ، وتمامه والبيت قبله : أنا ابن صريحي خندق غير دعوة * يكون مكان القلب منها مكانيا . . . . . . . . . . . * وللسيف أشوى وقعة من لسانيا الشوى دون القتل قد قصد أن لسانه أمرّ وأمضى من السيف .