عبد القاهر الجرجاني
6
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية )
قال في فاتحة كتابه هذا وهو من أحسن ما كتب في البلاغة بعد عبد القاهر ما نصه : " وأول من أسس من هذا الفن قواعده وأوضح براهينه ، وأظهر فرائده ورتب أفانينه ، الشيخ العالم النحرير علم المحققين عبد القاهر الجرجاني ، فلقد فك قيد الغرائب بالتقييد ، وهد من سور المشكلات بالتسوير المشيد ، وفتح أزهاره من أكمامها . وفتق أزراره بعد استغلاقها واستبهامها ، فجزاه اللّه عن الإسلام أفضل الجزاء ، وجعل نصيبه من ثوابه أوفر النصيب والإجزاء ، وله من المصنفات فيه كتابان أحدهما لقبه بدلائل الإعجاز . والآخر لقبه بأسرار البلاغة ، ولم أقف على شيء منهما . مع شغفي بحبهما وشدة إعجابي بهما ، إلا ما نقله العلماء في تعاليقهم منهما " " 1 " . وأما مكانة هذا الكتاب وبيان ما يمتاز به على كتب البيان فحسبي في بيانها عرضه على الأنظار مع التنبيه على مسألتين نافعتين ( إحداهما ) أن العلم هو صورة المعلوم مأخوذة عنه بواسطة الإدراك كما تؤخذ الصورة الشمسية بالآلة المعروفة فإن كان المعنى المنتزع من الجزئيات قانونا كليا يرشد إليها فهو القاعدة . وإن كان صورة تناسبها وتقربها من الفهم فهو المثل . ( والثانية ) أن القاعدة الكلية هي صورة إجمالية للمعلومات الجزئية ، والأمثلة والشواهد صور تفصيلية لها . والتعليم النافع إنما يكون بقرن الصور المفصلة بالصورة المجملة ، إذ بالتفصيل تعرف المسائل ، وبالإجمال تحفظ في العقل . وبهذه الطريقة يجمع بين العلم والعمل الذي يثبت به العلم ، وهي طريقة عبد القاهر في كتابه هذا وكتاب دلائل الإعجاز ، على أن كلام الشيخ رحمه اللّه تعالى كله من آيات البلاغة فهو يعطيك علمها بمعانيه ، وعملها بمبانيه ، وبهذه المميزات يفضل هذا الكتاب جميع ما بين أيدينا من كتب الفن لأنها إنما تقتصر على سرد القواعد والأحكام بعبارات اصطلاحية ، تنكرها بلاغة الأساليب العربية . ولا تذكر من الشواهد والأمثلة إلا القليل النادر ، الذي أدلى به السابق إلى اللاحق والأول إلى الآخر . لهذا بادر الإمام ، مفتي الديار المصرية في هذه الأعوام ، إلى تدريس الكتاب في الأزهر الشريف عقيب شروعنا في طبعه فأقبل على حضور درسه مع أذكياء الطلاب كثيرون من العلماء والمدرسين وأساتذة المدارس الأميرية . وقد قال أحد فضلاء هؤلاء
--> ( 1 ) انظر كلامه بنصّه في الطراز للعلوي بتحقيق د . عبد الحميد هنداوي ( ط ) المكتبة العصرية ( بيروت ) .