عبد القاهر الجرجاني

16

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية )

القول في التجنيس أما " التجنيس " فإنك لا تستحسن تجانس اللفظتين إلا إذا كان وقع معنييهما من العقل موقعا حميدا ، ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيدا ، أتراك استضعفت تجنيس أبي تمام في قوله : [ من الكامل ] ذهبت بمذهبه السّماحة فالتوت * فيه الظّنون : أمذهب أم مذهب " 1 " واستحسنت تجنيس القائل : [ من الرجز ] حتى نجا من خوفه وما نجا " 2 " وقول المحدث : [ من الخفيف ] ناظراه فيما جنى ناظراه * أو دعاني أمت بما أو دعاني " 3 " لأمر يرجع إلى اللفظ ؟ أم لأنك رأيت الفائدة ضعفت عن الأوّل وقويت في الثاني ؟ ورأيتك لم يزدك " بمذهب ومذهب " على أن أسمعك حروفا مكررة ، تروم فائدة فلا تجدها إلا مجهولة منكرة ، ورأيت الآخر قد أعاد عليك اللفظة كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها ، ويوهمك كأنه لم يزدك وقد أحسن الزيادة ووفّاها ، فبهذه السريرة صار " التجنيس " - وخصوصا المستوفى منه المتّفق في الصورة - من حلى الشّعر ، ومذكورا في أقسام البديع . فقد تبين لك أن ما يعطي " التجنيس " من الفضيلة ، أمر لم يتمّ إلا بنصرة المعنى ، إذ لو كان باللفظ وحده لما كان فيه مستحسن ، ولما وجد فيه معيب مستهجن . ولذلك ذمّ الاستكثار منه والولوع به . وذلك أن المعاني لا تدين في كل موضع لما يجذبها التجنيس إليه ، إذ الألفاظ

--> ( 1 ) البيت هو في ديوانه : 43 ، من قصيدة يمدح بها الحسن بن وهب ويصف غلاما أهداه إليه ، والبيت من دلائل الإعجاز : 523 . ( 2 ) البيت هو من إعجاز القرآن : 523 ، والبيان والتبيين 1 / 150 ، والحيوان : 3 / 75 ، و " نجا " الأولى بمعنى أحدث ، والثانية بمعنى خلص ( رشيد ) . قلت : " نجا " الأولى من النجو وهو ما يخرج من البطن من الغائط ، يريد أنه من خوفه أحدث ، ثم لم ينج من النجاة . ( 3 ) البيت هو ثاني بيتين يرويان لشمسويه البصري ، ولشداد بن إبراهيم الجزري ، ولأبي الفتح البستي ، وهو في دلائل الإعجاز : 523 . وقبله : قيل للقلب ما دهاك ؟ أجبني * قال لي : بائع الفراني فراني وكان حق المصنف أن يذكره كذلك فهو شاهد لما هو فيه من الجناس كذلك .