عبد القاهر الجرجاني
13
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية )
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ مقدمة المؤلف ] قال الشيخ الإمام مجد الإسلام أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني النحوي رحمة اللّه عليه ورضوانه : الحمد للّه رب العالمين ، وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله أجمعين . اعلم أن الكلام هو الذي يعطي العلوم منازلها ، ويبيّن مراتبها ، ويكشف عن صورها ، ويجني صنوف ثمرها ، ويدلّ على سرائرها ، ويبرز مكنون ضمائرها ، وبه أبان اللّه تعالى الإنسان من سائر الحيوان ، ونبّه فيه على عظم الامتنان ، فقال عزّ من قائل : الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ، خَلَقَ الْإِنْسانَ ، عَلَّمَهُ الْبَيانَ [ الرحمن 1 - 4 ] ، فلولاه لم تكن لتتعدّى فوائد العلم عالمه ، ولا صحّ من العاقل أن يفتق عن أزاهير العقل كمائمه ، ولتعطّلت قوى الخواطر والأفكار من معانيها ، واستوت القضيّة في موجودها وفانيها . نعم ، ولوقع الحيّ الحسّاس في مرتبة الجماد ، ولكان الإدراك كالذي ينافيه من الأضداد ، ولبقيت القلوب مقفلة على ودائعها ، والمعاني مسجونة في مواضعها ، ولصارت القرائح عن تصرّفها معقولة ، والأذهان عن سلطانها معزولة ، ولما عرف كفر من إيمان ، وإساءة من إحسان ، ولما ظهر فرق بين مدح وتزيين ، وذمّ وتهجين . ثم إنّ الوصف الخاصّ به ، والمعنى المثبت لنسبه ، أنه يريك المعلومات بأوصافها التي وجدها العلم عليها ، ويقرّر كيفياتها التي تناولها " 1 " المعرفة إذا سمت إليها . وإذا كان هذا الوصف مقوّم ذاته وأخصّ صفاته ، كان أشرف أنواعه ما كان فيه أجلى وأظهر ، وبه أولى وأجدر . ومن هاهنا يبيّن للمحصل ، ويتقرّر في نفس المتأمّل ، كيف ينبغي أن يحكم في تفاضل الأقوال إذا أراد أن يقسّم بينها حظوظها من الاستحسان ، ويعدّل القسمة بصائب القسطاس والميزان . ومن البيّن الجليّ أن التباين في هذه الفضيلة ، والتباعد عنها إلى ما ينافيها من
--> ( 1 ) تناولها : أصله تتناولها على المضارع : حذفت إحدى التاءين تخفيفا ، وفي نسخة : ( تناولتها ) على المضي .