أبي هلال العسكري

4

الصناعتين ، الكتابة والشعر

رمتني ميّ بالهوى رمى ممضع * من الوحش لوط لم تعقه الأوانس « 1 » بعينين نجلاوين لم يجر فيهما * ضمان وجيد حلى الدّرّ شامس « 2 » وهذا - كما ترى - كلام فجّ غليظ ، ووخم ثقيل ، لا حظّ له من الاختيار . وحكى العتبى عن الأصمعي أنه كان يستحسن قول الشاعر : ولو أرسلت من حب * ك مهبوتا من الصين « 3 » لوافيتك قبل الصب * ح أو حين تصلين وهما على ما تراهما من دناءة اللفظ وخساسته ، وخلوقة المعرض وقباحته . وذكر العتبى أيضا أن قول جرير « 4 » : إنّ العيون الّتى في طرفها مرض * قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللّب حتى لا حراك « 5 » به * وهنّ أضعف خلق اللّه أركانا وقوله « 6 » : إنّ الذين غدوا بلبّك غادروا * وشلا بعينك لا يزال معينا « 7 » غيّضن من عبراتهنّ وقلن لي * ما ذا لقيت من الهوى ولقينا « 8 » من الشعر الذي يستحسن لجودة لفظه ، وليس له كبير معنى . وأنا لا أعلم معنى أجود ولا أحسن من معنى هذا الشعر . فلما رأيت تخليط هؤلاء الأعلام فيما راموه من اختيار الكلام ، ووقفت على موقع هذا العلم من الفضل ، ومكانه من الشرف والنّبل ، ووجدت الحاجة إليه ماسة ، والكتب المصنّفة فيه قليلة ، وكان أكبرها وأشهرها كتاب « البيان والتبيين »

--> ( 1 ) الممضع : المطعم للصيد . اللوط : اللازق . في ط الأوالس ورواية للسان : « الأوانس » مادة ( مضع ) . ( 2 ) الضمان : العاهة . والشمس : معلاق القلادة في العنق والجمع شموس . وجيد شامس : ذو شموس على النسب . وفي رواية للسان : « وجيد حلى الشذر » ( 3 ) المهبوت : السائر على غير هداية . وجاء في بعض النسخ - مبهوتا - بتقديم الباء أي مدهوشا . ( 4 ) ديوانه : 595 . ( 5 ) في الديوان : « حتى لا صراع به » . ( 6 ) ديوانه : 578 . ( 7 ) غادروا : تركوا . والوشل : القليل من الدمع . والمعين : الجاري . ( 8 ) غيض دمعه : نقصه .