أبي هلال العسكري
69
الصناعتين ، الكتابة والشعر
الفصل الثّانى في التنبيه على خطأ المعاني وصوابها ليتّبع من يريد العمل برسمنا مواقع الصواب فيرتسمها ، ويقف على مواقف الخطأ فيتجنّبها فنقول : إن الكلام ألفاظ تشتمل على معان تدلّ عليها ويعبر عنها ، فيحتاج صاحب البلاغة إلى إصابة المعنى كحاجته إلى تحسين اللفظ ؛ لأنّ المدار بعد على إصابة المعنى ، ولأنّ المعاني تحلّ من الكلام محلّ الأبدان ، والألفاظ تجرى معها مجرى الكسوة ، ومرتبة إحداهما على الأخرى معروفة . ومن عرف ترتيب المعاني واستعمال الألفاظ على وجوهها بلغة من اللغات ، ثم انتقل إلى لغة أخرى تهيّأ له فيها من صنعة الكلام مثل ما تهيأ له في الأولى ؛ ألا ترى أنّ عبد الحميد الكاتب استخرج أمثلة الكتابة التي رسمها لمن بعده من اللسان الفارسي ؛ فحوّلها إلى اللسان العربي . فلا يكمل لصناعة الكلام إلا من يكمل لإصابة المعنى وتصحيح اللفظ والمعرفة بوجوه الاستعمال . والمعاني على ضربين : ضرب يبتدعه صاحب الصناعة من غير أن يكون له إمام يقتدى به فيه ، أو رسوم قائمة في أمثلة مماثلة يعمل عليها . وهذا الضرب ربما يقع عليه عند الخطوب الحادثة ، ويتنبّه له عند الأمور النازلة الطارئة . والآخر ما يحتذيه على مثال تقدّم ورسم فرط « 1 » . وينبغي أن يطلب الإصابة في جميع ذلك ويتوخّى فيه الصورة المقبولة ، والعبارة المستحسنة ، ولا يتكل فيما ابتكره على فضيلة ابتكاره إياه ، ولا يغرّه ابتداعه له ؛
--> ( 1 ) فرط : سبق .