أبي هلال العسكري

53

الصناعتين ، الكتابة والشعر

فقال المرتدّ : أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، ولا ولد ، وأن المسيح عبد اللّه ، وأن محمدا صلى اللّه عليه وسلم صادق ، وأنك أمير المؤمنين حقّا . وقال ابن المقفّع : البلاغة كشف ما غمض « 1 » من الحقّ ، وتصوير الحقّ في صورة الباطل . والذي قاله أمر صحيح لا يخفى موضع الصواب فيه على أحد من أهل التمييز والتحصيل ؛ وذلك أنّ الأمر الظاهر الصحيح الثابت المكشوف ينادى على نفسه بالصحّة ، ولا يحوج إلى التكلّف لصحّته حتى يوجد المعنى فيه خطيبا . وإنما الشأن في تحسين ما ليس بحسن ، وتصحيح ما ليس بصحيح بضرب من الاحتيال والتحيّل « 2 » ، ونوع من العلل والمعاريض « 3 » والمعاذير ، ليخفى موضع الإشارة ، ويغمض موقع التقصير ؛ وما أكثر ما يحتاج الكاتب إلى هذا الجنس عند اعتذاره من هزيمة ، وحاجته إلى تغير رسم ؛ أو رفع منزلة دنىء له فيه هوى ؛ أو حطّ منزلة شريف استحقّ ذلك منه ، إلى غير ذلك من عوارض أموره . فأعلى رتب البلاغة أن يحتجّ للمذموم حتى يخرجه في معرض المحمود ، وللمحمود حتى يصيّره في صورة المذموم . وقد ذمّ عبد الملك بن صالح المشورة ، وهي ممدوحة بكل لسان ، فقال : ما استشرت أحدا إلا تكبر على وتصاغرت له ، ودخلته العزّة ودخلتنى الذّلة ؛ فعليك بالاستبداد فإن صاحبه جليل في العيون ، مهيب في الصدور ؛ وإذا افتقرت إلى العقول حقرتك العيون ، فتضعضع شأنك ، ورجفت « 4 » بك أركانك ، واستحقرك الصغير ، واستخفّ بك الكبير ، وما عزّ سلطان لم يغنه عقله عن عقول وزرائه وآراء نصائحه . ومدح بعضهم الموت فقال : قد قلت إذ مدحوا الحياة فأكثروا * في الموت ألف فضيلة لا تعرف

--> ( 1 ) في ط « أغمض » ، وصوابه عن ا ، ب ( 2 ) التحيل : الاحتيال . ( 3 ) المعاريض : التورية بالشئ وعن الشئ . ( 4 ) رجفت : تحركت واضطربت .