أبي هلال العسكري

42

الصناعتين ، الكتابة والشعر

وقال جعفر بن يحيى : البلاغة أن يكون الاسم يحيط بمعناك ؛ ويجلّى عن مغزاك ، وتخرجه من الشركة ، ولا تستعين عليه بطول الفكرة ، ويكون سليما من التكلّف ، بعيدا من سوء الصّنعة ؛ بريّا من التعقيد ، غنيّا عن التأمّل . قوله : أن يكون الاسم يحيط بمعناك . فالاسم هاهنا : اللّفظ ؛ أي يحصر اللفظ جميع المعنى ويشتمل عليه . فلا يشذّ منه شيء يحتاج أن يعرف بشرح ، أو تفسير ؛ فإذا سمعت اللفظ عرفت أقصى المعنى ، هذا مثل قول الآخر : البليغ من طبّق المفصل فأغناك عن المفسر « 1 » . ولا يكون الكلام بليغا مع ذلك حتى يعرى من العيب ، ويتضمّن الجزالة والسهولة وجودة الصنعة ، كما ذكرنا قبل . ومثال ذلك ما كتب بعضهم إلى أخ له : أما بعد فإنّ المرء ليسرّه درك ما لم يكن ليفوته ، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه ؛ فليكن سرورك فيما قدمت من خير ، وأسفك على ما فاتك من برّ . وقول أعرابي لابنه : يا بنىّ ؛ إن الدنيا تسعى على من يسعى لها ، فالهرب قبل العطب . فقد أذنتك ببين ، وانطوت لك على حين . قال الشاعر : حلال لليلى أن تروع فؤاده * يهجر ومغفور لليلى ذنوبها تطلّع من نفسي لليلى نوازع * عوارف أنّ اليأس منك نصيبها وزالت زوال الشمس عن مستقرّها * فمن مخبرى في أىّ أرض غروبها وقال آخر : وما ذا عسى الواشون أن يتحدّثوا * سوى أن يقولوا إنّنى لك عاشق أجل صدق الواشون أنت حبيبة * إلىّ وإن لم تصف منك الخلائق وقوله : ويجلّى عن مغزاك . أي يوضّح مقصدك ، ويبيّن للسامع مرادك ؛ ينهى عن التعمية والإغلاق .

--> ( 1 ) المفسر : مصدر ميمى كالفسر بمعنى التفسير .