أبي هلال العسكري

442

الصناعتين ، الكتابة والشعر

بمشاكلة مودة معروفة وجوهها ، موثوق بخلوصها فتوكدها بحسب السبب الداعي إليها ، ودوامها بدوامه واتصالها باتصاله ؛ ومودة القربى وإن أوجبتها اللّحمة ، فهي مشوبة بحسد ونفاسة ؛ وبحسب ذلك يقع التقصير فيما يوجبه الحال ، والإضاعة لما يلزم من الشكر ، واللّه يعلم أنى أودك مودّة خالصة لم تدع إليها رغبة فيزيلها استغناء عنها ، ولا اضطرت إليها رهبة ؛ فيقطعها أمن منها ، وإن كنت مرجوا للموهبات بحمد اللّه ؛ ومقصدا من مقاصد الرغبات ، وكهفا وحرزا من الموبقات . فهذا الكلام كله معقود إلى قوله : « مشاكلة مودة » فلما اتصل بما بعده صار محلولا . عيبه وقال بعضهم : انظر سدّدك اللّه ألّا تدعوك مقدرتك على الكلام إلى إطاله المعقود ؛ فإن ذلك فساد ما أكننته في صدرك ، وأردت تضمينه كتابك . واعلم أن إطالة المعقود يورث نسيان ما عقدت عليه كلامك ، وأرهفت به فكرتك . أجود ذلك وكان شبيب بن شبة يقول : لم أر متكلما قطّ أذكر لما عقد عليه كلامه ، ولا أحفظ لما سلف من نطقه من خالد بن صفوان ، يشبع المعقود بالمعاني التي يصعب الخروج منها إلى غيرها ، ثم يأتي بالمحلول واضحا ، بينا مشروحا منورا . وكان السامع لا يعرف مغزاه ومقصده ، في أول كلامه حتى يصير إلى آخره . وقال بعضهم : ليس يحمد من القائل أن يعمى معرفة مغزاه على السامع لكلامه في أول ابتدائه ، حتى ينتهى إلى آخره ؛ بل الأحسن أن يكون في صدر كلامه دليل على حاجته ومبيّن لمغزاه ومقصده ؛ كما أن خير أبيات الشعر ما إذا سمعت صدره عرفت قافيته . وكان شبيب بن شبة يقول : الناس موكّلون بتعظيم جودة الابتداء وبمدح صاحبه ؛ وأنا موكّل بتعظيم جودة المقطع وبمدح صاحبه ؛ وخير الكلام ما وقف عند مقاطعه ، وبيّن موقع فصوله . مما لم يبين موضع الفصل فيه قلنا : ومما لم يبين موضع الفصل فيه فأشكل الكلام قول المخبّل للزبرقان ابن بدر :