أبي هلال العسكري

441

الصناعتين ، الكتابة والشعر

وكان يقول : ما استؤنف إنّ - إلا وقع الفصل ، وكان جبل بن يزيد يفصّل بين الفاءات كلها ، وقد كره بعض الكتبة ذلك وأحبه بعض ، وفصل المأمون عند « حتى » كيف وقعت ، وأمر كتابه بذلك ، فغلط أحمد بن يوسف ، ووصل حتى بما بعده من اللفظ ، فلما عرض الكتاب على المأمون أمر بإحضاره ، فقال : لعن اللّه هذه القلوب حين اكنّت العلوم بزعمكم ، واجتنت ثمر لطائف الحكمة بدعواكم ؛ قد شغلتموها باستظراف ما عزب عنكم علمه عن تفهّم ما رويتموه ، وتفحّص ما جمعتموه ، وتعرف ما استقدمتموه ؛ أليس قد تقدمنا إليكم بالفصل عند « حتى » حيثما وقعت من الألفاظ ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، قد ينبو السيف وهو صميم ، ويكبو الجواد وهو كريم . وكان لا يعود في شيء من ذلك ، وكان يأمر كتابه بالفصل بين ؛ بل وبلى ، وليس . وأمر عبد الملك كتابه بذلك إلا « ليس » . وقال المأمون ما أتفحّص من رجل شيئا كتفحّصى عن الفصل والوصل في كتابه ، والتخلّص من المحلول إلى المعقود ، فإنّ لكل شيء جمالا ، وحلية الكتاب وجماله إيقاع الفصل موقعه ، وشحذ الفكرة وإجالتها في لطف التخلص من المعقود إلى المحلول . المعقود والمحلول وقلنا : إن المعقود والمحلول هاهنا هو أنك إذا ابتدأت مخاطبة ، ثم لم تنته إلى موضع التخلّص ممّا عقدت عليه كلامك سمى الكلام معقودا ، وإذا شرحت المستور وأبنت عن الغرض المنزوع إليه سمّى الكلام محلولا . المثال مثال ذلك ما كتب بعضهم ، وجرى لك من ذكر ما خصّك اللّه به ، وأفردك بفضيلته من شرف النفس والقدرة ، وبعد الهمّة والذكر ، وكمال الأداة والآلة والتمهد في السياسة والإيالة ، وحياطة أهل الدين والأدب ، وإنجاد عظيم الحق بضعيف السبب ، ما لا يزال يجرى مثله عند كلّ ذكر يتخذ ذلك ، وحديث يؤثر عنك . فالكلام من أول الفصل إلى آخر قوله « بضعيف السبب » معقود ، فلما اتصل بما بعده صار محلولا . وما كتب بعضهم : ربما كانت مودّة السبب أوكد من مودة النّسب ؛ لأن المودة التي تدعو إليها رغبة أو رهبة ، أو شكر نعمة ، أو شاكلة في صناعة ، أو مناسبة