أبي هلال العسكري

440

الصناعتين ، الكتابة والشعر

وقال المأمون : ما أعجب بكلام « 1 » أحد كإعجابى بكتاب القاسم بن عيسى ، فإنه يوجز في غير عجز ، ويصيب مفاصل الكلام ولا تدعوه المقدرة إلى الإطناب ، ولا تميل به الغزارة إلى الإسهاب ، يجلى عن مراده في كتبه ، ويصيب المغزى في ألفاظه . وكان يزيد بن معاوية يقول : إياكم أن تجعلوا الفصل وصلا ، فإنه أشدّ وأعيب من اللّحن . وكان أكثم بن صيفي إذا كاتب ملوك الجاهلية يقول « 2 » لكتّابه افصلوا بين كل معنى منقض ، وصلوا إذا كان الكلام معجونا بعضه ببعض . وكان الحرث بن أبي شمر الغسّانى يقول لكاتبه المرقش : إذا نزع بك الكلام إلى الابتداء بمعنى غير ما أنت فيه فافصل بينه وبين تبيعته من الألفاظ ، فإنك إن مذقت ألفاظك بغير ما يحسن أن تمذق به نفّرت « 3 » القلوب عن وعيها ، وملّته الأسماع ، واستثقلته الرواة . وكان بزرجمهر . يقول : إذا مدحت رجلا ، وهجوت آخر ، فاجعل بين القولين فصلا حتى تعرف المدح من الهجاء ، كما تفعل في كتبك إذا استأنفت القول ، وأكملت ما سلف من اللفظ . وقال الحسن بن سهل لكاتبه الحرّانى : ما منزلة الكاتب في قوله وفعله ؟ قال : أن يكون مطبوعا محتنكا بالتجربة ، عالما بحلال الكتاب والسنة وحرامها ، وبالدهور في تداولها وتصرّفها ، وبالملوك في سيرها وأيامها ، مع براعة اللفظ وحسن التنسيق ، وتأليف الأوصال بمشاكلة الاستعارة ، وشرح المعنى ؛ حتى ينصب ضورها ، وبمقاطع الكلام ، ومعرفة الفصل من الوصل ؛ فإذا كان ذلك كذلك فهو كاتب مجيد . والقول إذا استكمل آلته ، واستتمّ معناه فالفصل عنده . وكان عبد الحميد الكاتب إذا استخبر الرجل في كتابه فكتب : خبرك ، وحالك وسلامتك ؛ فصل بين هذه الأحرف ويقول : قد استكمل كل حرف منها آلته ، ووقع الفصل عليه . وكان صالح بن عبد الرحمن التميمي الكاتب يفصّل بين الآيات كلها وبين تبيعتها من الكتاب ، كيف وقعت .

--> ( 1 ) في ا « بكتاب » . ( 2 ) في ا « قال لكاتبه » . ( 3 ) في ا « بعدت » .