أبي هلال العسكري

382

الصناعتين ، الكتابة والشعر

الفصل السّابع عشر في التوشيح التوشيح سمى هذا النوع التوشيح ، وهذه التسمية غير لازمة بهذا المعنى ، ولو سمى تبيينا لكان أقرب ، وهو أن يكون مبتدأ الكلام ينبئ عن مقطعه ؛ وأوله يخبر بآخره ، وصدره يشهد بعجزه ، حتى لو سمعت شعرا ، أو عرفت رواية ؛ ثم سمعت صدر بيت منه وقفت على عجزه قبل بلوغ السماع إليه ؛ وخير الشّعر ما تسابق صدوره وأعجازه ، ومعانيه وألفاظه ؛ فتراه سلسا في النظام ، جاريا على اللسان ، لا يتنافى ولا يتنافر ؛ كأنه سبيكة مفرغة ، أو وشى منمنم ، أو عقد منظم من جوهر متشاكل ، متمكّن القوافي غير قلقة ، وثابتة غير مرجة ، ألفاظه متطابقة ، وقوافيه متوافقة ، ومعانيه متعادلة ، كلّ شيء منه موضوع في موضعه ، وواقع في موقعه ؛ فإذا نقض بناؤه ، وحلّ نظامه ، وجعل نثرا ؛ لم يذهب حسنه ، ولم تبطل جودته في معناه ولفظه ؛ فيصلح نقضه لبناء مستأنف ، وجوهره لنظام مستقبل . أمثلة من القرآن فمما في كتاب اللّه عز وجل من هذا النوع قوله تعالى : وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ؛ فإذا وقفت على قوله تعالى : « فيما » ، عرف فيه السامع أن بعده « يختلفون » ، لما تقدم من الدلالة عليه . وهكذا قوله تعالى : قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ ذا وقف على « يكتبون » ، عرف أن بعده « ما يمكرون » ، لما تقدم من ذكر المكر . وضرب منه آخر ، وهو أن يعرف السامع مقطع الكلام ، وإن لم يجد ذكره فيما تقدم ؛ وهو كقوله تعالى : ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ، فإذا وقف على قوله : « لننظر » مع ما تقدم من قوله تعالى : « جعلناكم خلائف في الأرض » ، علم أن بعده : « تعملون » ، لأن المعنى يقتضيه .