أبي هلال العسكري

309

الصناعتين ، الكتابة والشعر

فلم يقرب أحد من لفظ القرآن في اختصاره وصفائه ، ورونقه وبهائه ، وطلاوته ومائه ؛ وكذلك جميع ما في القرآن من الطّباق . ومما جاء في كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الكلام المطابق قوله للأنصار : « إنّكم لتكثرون عند الفزع ، وتقلّون عند الطمع » . وقوله عليه الصلاة والسلام : « خير المال عين ساهرة لعين نائمة » ، يعنى عين الماء ينام صاحبها وهي تسقى أرضه . وقوله عليه الصلاة والسلام : « إيّاكم والمشارّة فإنها تميت الغرّة وتحيى العرّة » « 1 » . ومن سائر الكلام قول الحسن : ما رأيت يقينا لا شكّ فيه أشبه بشكّ لا يقين فيه من الموت . وقال أيضا رضى اللّه عنه : إنّ من خوّفك حتّى تبلغ الأمن خير ممن يؤمنك حيت تلقى الخوف . وقال أبو الدّرداء رضى اللّه عنه : معروف زماننا منكر زمان قد فات ، ومنكره معروف زمان لم يأت . وقال بعضهم : ليت حلمنا عنك لا يدعو جهل غيرنا إليك . وقال عبد الملك : ما حمدت نفسي على محبوب ابتدأته بعجز ، ولا لمتها على مكروه ابتدأته بحزم . وقالوا : الغنى في الغربة وطن ، والفقر في الوطن غربة . وقال أعرابي لرجل : إن فلانا وإن ضحك لك ، فإنّه يضحك منك . فإن لم تتخذه عدوّا في علانيتك ، فلا تجعله صديقا في سريرتك . وقال علىّ رضى اللّه عنه : أعظم الذّنوب ما صغر عندك . وشتم رجل الشّعبىّ ، فقال : إن كنت كاذبا فغفر اللّه لك ، وإن كنت صادقا فغفر اللّه لي . وأوصى بعضهم غلاما ، فقال : إنّ الظنّ إذا أخلف فيك أخلف منك . ونحوه قول الآخر : لا تتّكل على عذر منى فقد اتّكلت على كفاية منك . وقال الحسن : أما تستحيون من طول ما لا تستحيون ! ونحوه قول الأعرابي : فلان يستحى من أن يستحى . وقال : من خاف اللّه أخاف اللّه منه كلّ شيء ، ومن خاف الناس أخافه اللّه من كلّ شيء .

--> ( 1 ) المشارة : تفاعل من الشر . والغرة : الحسن . والعرة في الأصل : القذر ، واستعير للمثالب . وانظر نهاية ابن الأثير : 3 - 80 .