أبي هلال العسكري
303
الصناعتين ، الكتابة والشعر
ومن عجيب هذا الباب قول بعض شعراء عبد القيس « 1 » : ولما رأيت الدهر وعرا سبيله * وأبدى لنا ظهرا أجبّ مسلّعا « 2 » وجبهة قرد كالشراك ضئيلة * وصعّر خدّيه وأنفا مجدّعا « 3 » ومعرفة حصّاء غير مفاضة * عليه ولونا ذا عثانين « 4 » أنزعا وما أعرف متى رأى هذا للدّهر جبهة كالشّراك مع هذا الذي عدده ؛ فجاء بما يضحك الثكلى . وقال الكميت : ولما رأيت الدهر يقلب بطنه * على ظهره فعل الممعّك « 5 » في الرّمل كما ظعنت عنا قضاعة ظعنة * هي الجدّ مأدوم النّحيزة بالهزل « 6 » ومن ذلك قول الأخطل : إكسير هذا الخلق يلقى واحد * منه على ألف فيكرم خيمه « 7 » وقول أبى تمام : حتى اتّقته بكيمياء السّودد فلا ترى شيئا أبعد من إكسير الخلق ، وكيمياء السؤدد . وقد أكثر أبو تمام من هذا الجنس اغترارا بما سبق منه في كلام القدماء مما تقدّم ذكره ، فأسرف ، فنغى عليه ذلك ، وعيب به ؛ وتلك عاقبة الإسراف . فمن ذلك قوله « 8 » : يا دهر قوّم من أخدعيك فقد * أضججت هذا الأنام من خرقك وقوله « 9 » : كانوا رداء زمانهم فتصدّعوا * فكأنما لبس الزّمان الصّوفا
--> ( 1 ) الموازنة : 118 ( 2 ) مسلع : مشقق . ( 3 ) هذا البيت لم يرد في ط ، وهو في أو الموازنة . ( 4 ) الحصاء التي قل شعرها : العثنون : اللحية ، أو ما فضل منها ، أو ما نبت على الذقن وتحته ، وشعيرات طوال تحت حنك البعير وجمعه عثانين . وفي الموازنة : عثانين أجمعا . ( 5 ) الممعك : تمعك : تمرغ . ( 6 ) النحيزة : الطبيعة . ( 7 ) الخيم : السجية والطبيعة . ( 8 ) ديوانه : 21 ، الوساطة 68 . ( 9 ) ديوانه : 206 ، الوساطة 69 ، الموشح 206 .