أبي هلال العسكري
264
الصناعتين ، الكتابة والشعر
قد جاء في كثير من ازدواج الفصحاء ما كان الجزء الأخير منه أقصر ، حتى جاء في كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم منه شيء كثير . كقوله للأنصار يفضّلهم على من سواهم : « إنكم لتكثرون عند الفزع ، وتقلّون عند الطّمع » . وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « رحم اللّه من قال خيرا فغنم ، أو سكت فسلم » . وكقول أعرابي : فلان صحيح النسب ، مستحكم السبب ، من أي أقطاره أتيته أتى إليك بحسن مقال ، وكرم فعال . وقال آخر من الأعراب : اللهم اجعل خير عملي ما ولى أجلى . وينبغي أيضا أن تكون الفواصل على زنة واحدة ، وإن لم يمكن أن تكون على حرف واحد ، فيقع التعادل والتوازن ، كقول بعضهم : اصبر على حرّ اللقاء ، ومضض النزال ، وشدة المصاع « 1 » ، ومداومة المراس . فلو قال : على حرّ الحرب ، ومضض المنازلة ، لبطل رونق التوازن ، وذهب حسن التعادل . ومن عيوب الازدواج التجميع ؛ وهو أن تكون فاصلة الجزء الأول بعيدة المشاكلة لفاصلة الجزء الثاني ؛ مثل ما ذكر قدامة : أن كاتبا كتب : وصل كتابك فوصل به ما يستعبد الحرّ ، وإن كان قديم العبودية ، ويستغرق الشكر ، وإن كان سالف ودك لم يبق منه شيئا ؛ فالعبودية بعيدة عن مشاكلة منه . ومن عيوبه التطويل ؛ وهو أن تجيء بالجزء الأول طويلا ، فتحتاج إلى إطالة الثاني ضرورة ، مثل ما ذكر قدامة : أن كاتبا كتب في تعزية : إذا كان للمحزون في لقاء مثله أكبر الراحة في العاجل . . . فأطال هذا الجزء وعلم أن الجزء الثاني ينبغي أن يكون طويلا مثل الأول وأطول ، فقال : وكان الحزن راتبا إذا رجع إلى الحقائق وغير زائل . فأتى باستكراه ، وتكلّف عجيب . وقد أعجب العرب السجع حتى استعملوه في منظوم كلامهم ، وصار ذلك الجنس
--> ( 1 ) المصاع : القتال والمجالدة .