أبي هلال العسكري

241

الصناعتين ، الكتابة والشعر

والوجه الآخر إخراج ما لم تجر به العادة إلى ما جرت به العادة ؛ كقوله تعالى : وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ؛ والمعنى الجامع بين المشبّه والمشبّه به الانتفاع بالصورة . ومن هذا قوله تعالى : إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ . . . إلى قوله : كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ؛ هو بيان ما جرت به العادة إلى ما لم تجربه . والمعنى الذي يجمع الأمرين الزينة والبهجة ، ثم الهلاك ، وفيه العبرة لمن اعتبر ، والموعظة لمن تذكّر . ومنه قوله تعالى : إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ، تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ، فاجتمع الأمران في قلع الريح لهما وإهلاكهما والتخوّف من تعجيل العقوبة . ومن هذا قوله تعالى : فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ . والجامع للمعنيين الحمرة ولين الجوهر ، وفيه الدّلالة على عظم الشّأن ؛ ونفوذ السلطان . ومنه قوله تعالى : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ . . . إلى قوله عز وجل : ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً ؛ والجامع بين الأمرين الإعجاب ، ثم سرعة الانقلاب ؛ وفيه الاحتقار للدّنيا والتّحذير من الاغترار بها . والوجه الثالث : إخراج ما لا يعرف بالبديهة إلى ما يعرف بها ؛ فمن هذا قوله عزّ وجل : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ، قد أخرج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بها ؛ والجامع بين الأمرين العظم ؛ والفائدة فيه التشويق إلى الجنة بحسن الصّفة . ومثله قوله سبحانه : كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً ، والجامع بين الأمرين الجهل بالمحمول ؛ والفائدة فيه الترغيب في تحفّظ العلوم ، وترك الاتكال على الرّواية دون الدّراية . ( 16 - الصناعتين )