أبي هلال العسكري

195

الصناعتين ، الكتابة والشعر

ولما أحيط بمروان قال خادمه باسل : من أغفل القليل حتى يكثر ، والصغير حتى يكبر ، والخفىّ حتى يظهر أصابه مثل هذا . وهذا كلام في غاية الحسن ، وإن كان معنى الفصلين الأخيرين داخلا في الفصل الأول . وهكذا قول الشاعر « 1 » : إنّ شرخ الشّباب والشعر الأس * ود ما لم يعاص كان جنونا فالشعر الأسود داخل في شرخ الشباب . وكذلك قول أبى تمام « 2 » : رب خفض « 3 » تحت السرى وغناء * من عناء ونضرة من شحوب الغناء داخل في الخفض ، والعناء داخل في السّرى فاعلم . وممّا هو أجلّ من هذا كلّه قول اللّه عز وجل : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ؛ فالإحسان داخل في العدل ، وإيتاء ذي القربى داخل في الإحسان ؛ والفحشاء داخل في المنكر ، والبغى داخل في الفحش . وهذا يدلّ على أنّ أعظم مدار البلاغة على تحسين اللّفظ ؛ لأنّ المعاني إذا دخل بعضها في بعض هذا الدخول ، وكانت الألفاظ مختارة حسن الكلام ؛ وإذا كانت مرتّبة حسنة والمعارض سيئة كان الكلام مردودا . فاعتمد على ما مثّلته لك ، وقس عليه إن شاء اللّه .

--> ( 1 ) حسان بن ثابت ، ديوانه : 413 . ( 2 ) ديوانه : 36 . ( 3 ) خفض : سعة وراحة .