أبي هلال العسكري

190

الصناعتين ، الكتابة والشعر

الفصل الثاني من الباب الخامس ، في ذكر الإطناب فضل الإطناب قال أصحاب الإطناب : المنطق إنما هو بيان ، والبيان لا يكون إلا بالإشباع ، والشفاء لا يقع إلّا بالإقناع ، وأفضل الكلام أبينه ، وأبينه أشدّه إحاطة بالمعاني ، ولا يحاط بالمعاني إحاطة تامّة إلّا بالاستقصاء ؛ والإيجاز للخواصّ ، والإطناب مشترك فيه الخاصة والعامة ، والغبي والفطن ، والريض والمرتاض ؛ ولمعنى ما أطيلت الكتب السلطانية في إفهام الرعايا . الحاجة إلى الإيجاز والإطناب والقول القصد أنّ الإيجاز والإطناب يحتاج إليهما في جميع الكلام وكلّ نوع منه ؛ ولكلّ واحد منهما موضع ؛ فالحاجة إلى الإيجاز في موضعه كالحاجة إلى الإطناب في مكانه ؛ فمن أزال التدبير في ذلك عن جهته ، واستعمل الإطناب في موضع الإيجاز ، واستعمل الإيجاز في موضع الإطناب أخطأ . كما روى عن جعفر بن يحيى أنه قال مع عجبه بالإيجاز : متى كان الإيجاز أبلغ كان الإكثار عيّا . ومتى كانت الكناية في موضع الإكثار كان الإيجاز تقصيرا . وأمر يحيى بن خالد بن برمك اثنين أن يكتبا كتابا في معنى واحد ، فأطال أحدهما ، واختصر الآخر ؛ فقال للمختصر - وقد نظر في كتابه : ما أرى موضع مزيد . وقال للمطيل : ما أرى موضع نقصان . وقال غيره : البلاغة الإيجاز في غير عجز ، والإطناب في غير خطل . ولا شكّ في أنّ الكتب الصادرة عن السلاطين في الأمور الجسيمة ، والفتوح الجليلة ، وتفخيم النّعم الحادثة ، والترغيب في الطاعة ، والنّهى عن المعصية ، سبيلها أن تكون مشبعة مستقصاة ، تملأ الصدور ، وتأخذ بمجامع القلوب ؛ ألا ترى أنّ كتاب المهلب إلى الحجاج في فتح الأزارقة :